قصة قصيرة

ما قبل الغيمة، ما بعد الليلك

ما قبل الغيمة، ما بعد الليلك

مريم العمّوري

هاتي كل قصائدك أيتها الهزار..

صُرّي نصفها المالح في زوّادة وعلقيها على لافتة للجائعين.. أو على وتد لخيمة أطاحت بها الريح!

أما نصفها الآخر فدسّيه في قارورة وارميها في البحر..ستنقذها غيمة شريدة من فم محارة أضاعت بناتها.. وستتحد بآخر حروفها ثم ستحملها على كتفيها كأب حنون إلى سفوح الليلك المنسيّ.. هناك حيث لا تمطره بأسرارها البكر، ولا يرهقها هو برغبته المتوقدة.. ليمكثا معا في خط استواء الأرجوان وليبقيا في الزمان لغتين تتشابهان في العذوبة، ولوحتين تتجاذبان أطراف الحلم..

ربما يبقيان هكذا متسمّرين في طرفي الحكاية كعلامة استفهام بلا أسئلة.. وربما تتعثر بهما عصفورة منهكة فرت من ضجيج الأمكنة لتتوقف برهة بينهما.. تسرج قنديلها من ليلكٍ موغل في التأمل وتلتمس من أنامل الغيمة ومن بياضها الأسطوري خاتما سليمانيا، والفرصة سانحة الآن لأمنية واحدة تطير بها إلى حيث تريد!

لكن لا زال لديها الوقت قبل أن تطلق العنان لجناحيها وتبوء بالمدى السادر ثم لا تنظر للخلف كأن لم يكن! هي لا تدري لماذا يراودها إحساس بأن "هنا" مختلف عن كل الـ "هناك".. هذا الـ "هنا" الآسرُ يمعن أمامها كجملة ظرفية مبهمة، يزجي إليها موجاته الكهربية الجاذبة فلا تملك إلا أن تحدق في تهاويله وتستسلم لدعواته!


أهيَ وحدها التي ترى هالة الضباب هذا الذي يحوم حولها في هيئة صبايا يتمايلن بأناقة، تحمل إحداهن ربابة وغناء كثيرا يتدلى كالبرتقال من جدائلها، فتمتلئ السلال بالبرتقال الشهي وتعين بعضهن بعضا على حمله فوق جبهة الصباح الفتي! يا للسهول من كل هذا الحصاد! السنابل مثقلة والمناجل محنيّة بالحنين، والشمس تلوّح وجه الزيتون قبل أن يوشمه الصوّان بالحُب. والصاج يغازل عرائسه اللاتي خرجن عن طوعه ليتمرّغن بالسكر والسمسم!! وصغار يتشاغبون على أرجوحة هيّأتها لهم سنديانة طاعنة في الوقار والطيبة، أوراقها لحاف الناعسين، ولحاؤها مدوّنة العشاق!

واللوّيح يغافل زهرة لوز بقُبلة قبل أن يفلّ لينقش وجه الرخام بدبكته الواثقة، غامزا عين الحبيبة بطرف كوفيته والواشيات على حافة غيرتهنَّ يكدن يقعن في الوَله. ودالية المساء الجميل تفلّتُ عناقيدها للجدال والنكات والنميمة والنبرة المحتدة الحنونة، وإيماءة الختيار وهي تقول ألف لغة يفهمها الغلطان.

وطرحات النسوة تصافح ابتسامة الفجر قبل أن توقظ رفّ وروار كسول، فإذا بأثوابهن المطرزة بالنعناع والكهرمان تستحيل خيلا أصيلة ينهرنها برنين أساورهن العُصملّي، ويسابقن بها فضاء يتلاشى شيئا فشيئا إلى أن أطبق الصمت.. وما هي إلا أضغاث ثوان حتى دوّى انفجار عنيف بلا دويّ، فإذا بالدهشة تسّاقط على جسد العصفورة أوراقا كرنفالية ملونة!


كانت لا تزال مشدوهة بما رأت.. أو توهمت! يعتري فؤادَها رفة حميمة وحيرة تكاد تفسد عليها ما خالجها من دهشة هذا المشهد، وهي بين ذلك في صراع يكاد يقلق الأماني في خرائطها التي بذلت في رسمها عمرا طويلا من العزيمة والحلم. هل تمضي أم تبقى؟  

هل تفتنها هذه المرابع المعلقة بين سماوة الروح وحاضرة الجمال لتكتشف مزيدا من السحر فتبقى، أم هل تمضي إلى ما وراء هدف يترامي في مجهول ما ليكتشفها مزيد من الدهشة؟


كان الليك والغيمة على أهبة جوابها دون أن يبديا إلحاحا، خشية أن يثقلا على ضيفتيهما وسْط قرار هو ملكها وحدها! لكنهما لم يخفيا رغبة جامحة في جوارها الذي آنس وحدتهما، كل هذا في حديث العيون الذي يتقنانه. فما أجمل أن تكون هنا معهما بعدا ثالثا يضفي على هذا الركن الساكن مرحا طفوليا لا يعبأ بعاقبة أو قانون. هما يدركان الآن بعد طارئ مرورها أنهما بحاجة إليها بقدر أكبر مما قد تحتاج إليهما. فما نفع ما يملكان من قصيد دون صوت حلو يغنيه، دون مزمار يماوجه شجوا وجذلا، دون جمهور يتطاول نشوة حتى ذروة الذروة وهو يردد في الأصداء "الله يا عم!!"

ما نفع ما يحيطهما من سكينة ودعة دون شغب جناحها وهو يذرع الفضاء ليعلمه لغة جديدة تربك كل لغات القلب الوقورة وتذيلها بإهداءة وتوقيع وأيقونة ابتسامة وخطين مائلين!


وربما يحلو لها المكوث فترسل في إثر صاحباتها .. لا بد أن يكنَّ مثلها في رشاقة الروح وحلاوة النبرة فيمتلئ المكان بحياة مُثلى..

وبينما هما كذلك يجذفان في قارب أمنية، كانت العصفورة على ضفة شرودها تحدث نفسها بكل ما ينتظرها هناك وراء أكمة هذا المدى الأبدي كورقة سيلوفان تقول لكل مشتهٍ افتحني. فقلبها الصغير يرفّ لوقع سحر خرافي آخر بعد أن أغراه هوس الطريق عن سكينة الوصول، فالوصول يعني لها نهاية المغامرة وبدايات الأجوبة المملة وهي التي لا تزال كل خلية في جسدها تلح عليها بالمضي شغفاً!


ما برحت الغيمة تمسح على أحزان الليلك وهي تودع ثالوث قلبها بعد أن خبأا في ذاكرة اللون ريشة رمادية سقطت كقبلة أخيرة من فم العصفورة المرتحلة التي ما أن أوقدت فانوس الحب في أحلامهما حتى انطفأا في نفحة السكينة الـمُطبِقة وهفّة الجمال الـمُطوِّق الذي أدركا الآن أنه ناقص خافت حدّ الألم لأنها لم تعد جزءا من كيميائه.  


 ولا يزال الليلك يسأل غيمته في عليائها عن شاردة تطمئنهما بعد سنوات من الغياب.. فالأخبار قلّما تصل هذا الركن المعزول عن الفوضى حتى تعثرّت بهما ريح عجوز كادت تنكسر على حافة أحزانهما، تسعل دخانا لزجا وتهذر بما لا يُفهم، ألقت أحمالها على قلق أسئلة كثيرة مبرومة ما بين رعاش الليلك ووجوم الغيمة، كانا قد نصباها بإحكام مثل شبكة عنكبوت في طريق الرائح والغادي علّهما يتصيدان خبرا ما يطفئ جذوة الأحزان..

اقتربا منها يحاولان أن يُركّبا من هذرها المبعثر جملة واضحة خصوصا بعد أن خُيّل إليهما أنها أتت على ذكر الحبيبة الغائبة..  

-         أعيدي رجاءً

-         لم تقدر.. كانت أقوى منها..

-         مَن؟

-         العاصفة .. مجنونة.. أوووه مجنونة

-         حدّثينا أرجوك

-         عليَّ أن أذهب.. ستلسعني.. الشهب تترصد بي.. الماكرة.. ستلسعني

وقبل أن يتفوّها بحرف آخر، كانت الريح الخرِفة قد تفرّقت في الجهات ذعرا كمن ركبها جِنّ، مخلفة وراءها سؤالين خائبين ورسالة عتيقة مهترئة لم يتنبّها لها، تداولتها أكف النسيم يمنة ويسرة حتى انتهت مبحوحة في قعر وادٍ شاحب بعيد ليس بذي ليلك ولا غيمة، بقيت هكذا تتأرجح في غياب آخر سحيق وهما في الجانب الآخر من الانتظار يتأرجحان على شفا يأسهما..  

 

قِفا لأزجي اعتذاري.. فقد بلغتُ قراري

لـمّا ركبتُ جموحي.. وطوّحتني الصحاري

بنصف ضلع كسيرٍ..  وخيمة في الحصارِ

فكدتُ أُسلِم قلبي.. لكل ظفر ضاري

لولا بها أدركتني.. زوّادةُ الأشعارِ

تلك التي أودَعَتْها.. للجائعين هَزاري

يا حبّتا العينِ عودا.. عزفينِ في مزماري

فمنذ ذنب رحيلي.. لم تبرحا أفكاري

حتى انتهيتُ خيالاً.. لم يعدُ حَدَّ سِواري  

كل الذي أرتجيهِ.. أن تغفِرا أوزاري

وترسِلا لفؤادي.. غمْراً من الأقمارِ

عَـلّي أعيدُ طريقي.. من ظلمة الأسوارِ

عـلَّي أعود لأصلي.. مخلّفاً أدواري

ونلتقي أفراحاً.. على دفوف الدارِ

فإن تعاظم ذنبي .. ورمتُما إنكاري

أظلّ في ركن شوقي.. أحيا على التذكارِ



View nasheed's Full Portfolio

العقل المريض بجماله

Folder: 
قصص جديدة

العقلُ المريض بجماله
قصة قصيرة
محمد الأحمد
بعد أن ضحكنا بعمق، قلت:
- هكذا هرهرتنا سنواتنا العجاف..
لكنه لم يعطني فرصة متجاهلا سؤالي عن أحواله الحالية، فبقي يتكلم عما اختاره هو من كلام، مواصلا:
- حسبما تعرف العلوم العصبية حققت تقدّما هائلا منذ مطلع عقد الثمانينات الماضي.. ولكن هناك مفارقة كبيرة يعرفها هذا الميدان وهي أن التقدم الكبير الذي جرى تحقيقه على صعيد معرفة أسرار الدماغ وآليات عمله لم يتواكب أبدا مع تقدّم مماثل على صعيد التخلّص من أمراض عقلية معروفة منذ عدة قرون.
كان يريد القول:
- أصغ إلي يا صاحبي ودعك من كل ما تريد..
فأنا التقيت به مصادفة من بعد فراق طويل، وبقيت اسأل نفسي ربما قد غيرته السنين.. إذ بقيت مصغيا إليه أتابع عيناه الحمراوتان وكأنهما تغوصان في عمق ما وتغرف إلي بالكلام المتوازن الذي يعطيني معلومة تلو الأخرى، ففي السابق عندما دخل في أول أزماته يومها قد كان انفصل عن زوجته و أولاده.. تصير يومها صامتا في صحبة أصحابه، ولم يكن يتكلم بموضوع متصل أبدا، بدا آنذاك الأمر عليه أشبه بأعراض مرض الذهان، فهو يصمت طويلا، وما يبدأ الكلام حتى يتكلم بأمر آخر لا يمت بصلة إلى أوله، فلم أتوقع منه ان يفلت من تلك الأزمة التي عصفت به وجعلته إنسانا آخرا غير الذي اعرفه، كنا نعرف أشياء قليلة عما آلت إليه الأمور ولكن مقربيه قالوا : - امرأة حكمت عليه بالفراق عن زوجته ذات يوم.. ادعت أمام الناس بأنها مرضعته ومرضعة لزوجته، فحدث ما حدث..
إذ فارق زوجه ولا احد ينكر ما عليها من حضور، وعليه كزوج من سطوة.. كان هائما به، لكنهما افترقا للأمر ذاك، ولم أتابع التفاصيل، كنت أتعاطف معه لأنه إنسانٌ مبدعُ متفانّ مع أصدقائه وأهله، فمرّ بأزمة كبيرة لم يفصح لأحد عنها. كنت قلقا عليه أكثر مما اسمعه منه، يومها كان شارد الذهن لا يقدر على مواصله جملة واحدة على عكس ما اسمعه واراه اليوم... إذ بدت جمله مترابطة وغير متوترة.. لكن حركات رأسه يمينا ويسارا جعلتني أخاف عليه أكثر، قلت مع نفسي حتما سأعرف لاحقا ما حلّ به، خلال العشرين عاما التي أفرقت عنه.. أردت أن اسأله ليكشف اليوم لي عن اهتمامه الدقيق بتخصصي، كأنه يريد أن يفرض علي بأنه لا يقل اهتماما عن أي متخصص بهكذا الموضوع: (بالتأكيد أنت تعرف الباحث ومؤرخ العلوم الفرنسي (بيير هنري كاستل) قد كرّس كتابا لهذه المسألة اسمه (العقل المريض)، باحثا في الموضوع ذاته عبر نهج شيق)، فقلت:
- سبق لي أن قرأت له:
- (الدفاع وأشكال الجنون، والأفراد)؟..
نظر الي مستفهما كأنه قال بعينه لم أعرفك مهتما بهكذا أمر من قبل، لأنك حسب علمي قد درست في مادة الفيزياء.. فتداركت مردفا قبل ان ينطق:
- سنحت لي فرصة أخرى فاقتنصتها كي ادرس مادة أخرى..
- نعم عرفت ذلك لقد صادفني أكثر من صديق لينقلوا لي أخبارا طيبة عنك..
اخذ نفسا عميقا وواصل القول بارتياح:
- ذات مرة على إحدى صفحات الويب وجدت احد أبحاثك وأرسلت إليك مفندا ما كنت تطرح جملة بجملة ولكنك لم تلق لي بالاً، فقد حدثني عنك أكثر من صديق فأصبحت عازما على ان أراك ولم استطع.. بودي التحدث عن أبحاثك الكثيرة، كم أنا مهتم بما تطرح، وتستنتج.. كم أنا فخور بك..
رجوته في قراره نفسي أن لا يشعرني بالزهو أكثر وان يواصل حديثه في موضوع سيوصلني حتما إلى ما أريد
- (حدث تطوّر هائل جرى تحقيقه على صعيد معرفة توصيف الدماغ ودراسة آليات عمله، وتشريحه لتقييم فعالية العلاج في مجال الأمراض التي تصيبه. وأدى هذا التطور إلى تغيير كبير في المفاهيم النفسية التقليدية وإلى (تطبيع) استخدامها. فأصبح الحكم على (الحالات العقلية) بأنها بوابات أساس علم الأحياء العصبي (البيولوجيا العصبية)، وعلم الإحصاء الطبي..
بقي مواصلا القول، كأنه لا يجرأ أن ينظر الى عمق عيني:
- وأي منهج لا يستعرض النظريات الكبرى السائدة حتى اليوم في مجال الأمراض العقلية يبقى قاصرا لأنه سيكون غير متواصل مع ما بداته كتب دراسة العقل الحديث.
أصغي إليه بانتباه وحرص، وهو يعي ما يقول على الرغم من محاولته برفع بؤبؤي عينه إلى أعلى من دون أن ينظر إلي، فيسبب لي إحساسا بعدم الارتياح، كأنه ليس هو من يتكلم؛ عيناه أحيانا تغوران عميقا وأنا لا اعرف لهما قرار، ولكن صوته ثابت القرار، يدل على ثقة عالية بالنفس، فبقيت تفاحة ادم، تصعد وتنزل بتوازن، وبقي يواصل لي القول:
- قرأت مرة عن منهجين يقول أحدهما إن الجنون هو نتيجة لخلل في آليات عمل الجهاز العصبي، ويرى الآخر أن الجنون هو نتاج لميزان قوى على صعيد السلطة ومقابل هذين المنهجين يتبنّى (طريقا ثالثا) لشرح أشكال الهذيان الحديثة والاكتئاب العصبي ولغز (المجرمين المجانين) وغير ذلك من ظواهر الأمراض العقلية.
فأردفت قائلا، كأني وجدت فسحة ما لأقول قولي:
- يرى (كاستل وضع مسائل فلسفة العقل على طاولة عمل المحللين النفسانيين).
قاطعني مواصلا:
- فما هو (عقلي) له مكوناته النظرية والعملية الناتجة عبر التوفيق والتداخل بين ما هو دماغي وبين ما هو اجتماعي لدى كل فرد.. بهذا المعنى يغدو من الخطأ القول أن (العقل) يعني (الدماغ) حصرا.. ومن الخطأ القول إن نشاطات العقل هي (فوق الواقع) وأنها منفصلة تماما عن الآليات العصبية- البيولوجية.
اخذ نفسا عميقا وانطلق قائلا:
- ونتيجة للتداخل بين ما هو دماغي وما هو اجتماعي تجتهد تحليلات هذا الكتاب للإحاطة بـ (طرفي السلسلة المتمثلة من جهة بالمحددات المتعقلة بالخلايا والمورثات ومن جهة أخرى بالعلاقات بين البشر).
أضاف بعد أن ابتلع ريقه، وكأنه يشكو من أعراض مرض السكري:
- انوي أن أكرس فصلا كاملا لمتابعة (النماذج الحيوانية) في دراسة سأكتبها ذات يوم متناولا أشكال الجنون، أي تلك التي يتم فيها الاستبعاد الكامل لمكوّن العلاقات مع الآخرين في المرض العقلي..
نظر بعمق إلى أعلى فروه راسي، وحاذر أن تلتقي أعيننا، ككل مرة. وكأنه يريد استدراك شيء ما، ثم واصل القول:
- مثل تلك المحاولة سوف ترمي إلى الكشف عن الأصول العضوية البحتة في بعض الأمراض العقلية البشرية.
بقي يتكلم ولاحظت آثار رذاذ تطاير من فيه على قميصه وتذكرت (ملاحظة هذا السياق تتمثّل الأعراض الرئيسية لهذه الحالة بعدم قدرة المصاب بها على منع نفسه من كيل السباب والشتائم (القبيحة) للآخرين، وبصورة لا إرادية)، اذ هو لم يكل شتيمة لأحد بل على العكس بقي متماسكا، قائلا وكأنه قرأ أفكاري على حين غرة:
- أن البعض يرون في هذا (العقل المنتج للشتائم، الشتّام) كيانا منفصلا عن صاحبه، والخلايا العصبية هي المريضة تحديدا و(كما لو أن الدماغ نفسه هو الذي يقوم بالشتيمة، وليس الإنسان صاحب ذلك الدماغ، فهذا الإنسان ليس هو الذي يوجه الشتائم إلى إنسان آخر). وهنا ينتمي الخلل العقلي إلى الأمراض ذات الأسباب المادية البحتة التي تعيد الاضطرابات العقلية إلى خلل آليات العمل العصبية، أي إلى خلل في الجهاز العصبي الذي قد تصل أسبابه إلى الجذور الأولى البعيدة لمورثات الأشخاص المعنيين فيه.
لا ادري أحسست بان لساني قد ثقل وأنا انظر إليه، أريد أن اعرف كيف يتواصل معي بأفكاره، دون أن يسمعني لحظة واحدة، ويريد أن يقول قوله، فحسب.
- وهذا ما يسميه (مجتمع الأفراد- الأدمغة).. معالجة الإنسان لدماغه من أجل إمكانية الاندماج في الحياة الاجتماعية)... مثل هذه العلاقات بين (أدمغة) وليس بين بشر يرى، أضاف:
- أنها تتحقق بالصيغة الأكثر شيوعا في عالم السياسة.
(أن الجنون يطرح إشكالية على العقل من خلال محاولة (نفسه) والاقتراب أكثر من الحالة الطبيعية، بمعنى البعيدة عن الفعل الثقافي من حيث دلالته الأصلية المتمثلة في تدخل الإنسان لتغيير طبيعة الوسط المحيط فيه. والبرهان الذي يجسده (العقل المريض) لا يطرح مسألة نظرية كبيرة فقط، ولكنه يطرح مسألة فعالية العلاج وأخلاقيته)، إن اعتبار الألم النفساني كمجرّد مظهر خارجي لخلل الجهاز العصبي، إنما يعني اختزال المجنون لدماغه فقط والنسيان، أو التناسي، الكامل الاستماع إلى (لغته).. بالمقابل لا تتم رؤية سوى (مناورات ذات علاقة بالسلطة) في مظاهر الجنون.. هل تعرف ما أراده (ميشيل فوكو)، وقبل أن أهمّ عليه بجواب قال متعجلا:
- ذاك باحث جميل ألا ينبغي عليك معرفته؟ لأنه صاحب معرفة عريضة وبحوث منطقية لا أظنك ستعرفه يوما مثلما أنا قد عرفته..
أحسست بأنه يريد إعلان تفوقه علي، و ربما سأرى منه ما لا يُحمد عقباه إن لم أعطه فرصة ليقول بها ما يريد..
- (يركز على القول إن المرضى بـ(عقلهم) يشكلون أحد ظواهر التراث الإنساني في كل العصور وهم قبل كل شيء (يفكّرون) ويحسّون ويتألّمون وبالتالي ينبغي محاولة فهمهم وفهم عالمهم).
تأكدت باني لن أوفق بمقاطعته، وسيبقى يُسمعني ما يريده دون أن يسمع مني..

Friday, August 20, 2010

View alahmed's Full Portfolio

شكوى

Folder: 
قصص

قصة قصيرة

شكوى

غانم خليل

كانت تخونه الشجاعة كلما امسك بصندوق صوره القديمة وهمّ بفتحه، ثلاثون عاما مرّت علي آخر نظرة القاها علي صور شبابه الذاهب قبل ان يودعها ذلك الصندوق المنسي. اما الان فعليه ان يفتح هذا الصندوق، لا ليراها متجرعا الحسرات بل لتراها أمّة باسرها.
وبيد مرتعشة، فتح البروفيسور الصندوق لائما نفسه علي قبوله عرض اشهر قناة تلفزيونية بإجراء لقاء معه، بعد ان رفض هذا العرض المُغري مرّات عديدة فيما مضي.
قفزات من مراحل العمر المذهلة سجلتها الكاميرا في السنين الخوالي، تنتشر أمامه الآن صورا تحكي - عبر صمتها الأبدي - سيرة حياته الحافلة بنجاحات لم تعنِ احداً!. ومن بين عشرات الصور، استوقفته صورة واحدة، صورة فتيً نحيف يتوسط مجموعة من التلاميذ واقفين مشدوهين امام تمثال الثور المجنح في المتحف الحضاري.
وانتهت المقابلة التلفزيونية، وهدأت فورة الإعجاب الجماهيري الواسع شيئا شيئا. ولم تستطع فورة الإعجاب بعنفوانها ان تؤثر علي البروفيسور بشيء اكثر من تاثير الصورة التي هزّت كيانه كلّه.. صورة الثور المجنح التي بعثت من رواسب الماضي البعيد نكهة حنين لا تقاوَم سحبته سحباً لزيارة المتحف. وعند عتبة المتحف، إنبهر الرجل المُسِنُّ امام بناية جديدة تحفّ بها حديقة واسعة. تخطّي الممشي، فلاحت لعينيه لافتة صغيرة: (الي مكتبة المتحف) فتساءل: متي اصبح للمتحف مكتبة؟!... همّ بزيارتها لكنه آثر الثور المجنح اولا.
ويوما بعد آخر اصبحت المكتبة روضة احلامه ومرتع خيالاته، وجد نفسه بين آلاف الكتب التي أغرته بطعمها الذي لا يقاوَم فهجر الدنيا واستقرّ بين ظهرانيها. واصبح يمنّي نفسه ويقول: - من بين احضانكم ايتها الكتب ستولد كتب أخري يشعّ بريقها في كل مكان.
ولم تعدْ سويعات الدوام الرسمي في المكتبة تروي غليله، وتذكّر ليالي الجاحظ ومعاناته عندما كان يكتري دكاكين الورّاقين ليبيت فيها ليلا محبوسا بين الكتب فيقرأ - علي ضوء سراجه الضعيف - ما طاب له منها، واليوم بعد مئات من السنين، لِمَ لا يعيد تجربة الجاحظ؟!
واستغلّ مكانته لدي موظفي المتحف وحارسه الذين أحبّوه، واطمأنوا اليه، وتمّت الموافقة علي المبيت ثلاث ليالٍ فقط شرط ألا يثير انتباه احد. وغاب نهار من المتعة، فأسدل البروفيسور ستائر النوافذ، وأطفأ الاضواء، وقضي ساعات الليل الاولي يقرأ علي ضوء كشّاف يدوي حتي انتصف الليل، وارتخت اجفانه، وغاب في عالم صامت ساكن، وخدّه علي صفحة الكتاب.
وتململ قُبيل الفجر، فتدحرج الكشّاف، وسقط ارضا، واستيقظ الرجل وسط ظلام دامس، ويده تبحث عن الكشّاف المعطّل.
آآآ... آآآه... آآه.. آه. آآآ
أنين مستمر... تأوّهٌ ينبعث من هنا وهناك، زلزل البروفيسور، وأطار صوابه، فقال مرعوبا: - ماذا يحدث؟... مَنْ هنا؟!!
وأخذ يسير علي غير هديً متعثراً بهذه المنضدة وتلك، وجاءه صوتٌ اذهله:
- الي اين تتجه؟.. ما من أحد غيرنا.
- ولكن من أنتم؟
- نحن أصحابك.. نحن احبابك.. نحن من لا يؤنسنا غيرك.
وارتطم جنبه بإحدي الخزانات، فجاءه منها صوت شاكيا:
- أدركني يا أستاذ.. أفتح أوراقي.. خمسون عاما، وأنا محبوس في هذا المكان لم تلمسني يد إنسان، أخرجني الي النور أرجوك.
وتوالت الاصوات:
- أنا يا أستاذ، العفن يأكل أطرافي
- وأنا.. لقد همّش أحدهم مُعَلِّقاً علي اوراقي.. أدخل جسما غريبا عليّ، خلّصني منه ارجوك.
- أغثني يا أستاذ.. لقد سبّ أحدهم مُؤلِّفي.. أُمحُ الشتائم عن أوراقي، أتوسل اليك
- وأنا.. لا تَنْسَني أنا.. ما من مُطالع يفتح دفّتيَّ حتي يُطبقهما.. لقد أصاب الناس جهلٌ غشوم.. إنهم لا يفهمون اسلوب مُؤَلِّفي.
- أغثني أنا أولا يا أستاذ. لقد اقتطع الاستاذ (س) فصلاً كاملاً منّي وسرقه في غفلة من الموظفات اللاهيات.. لذا فأنا مقطّع الاوصال.. أعِدْ إليّ أوصالي أرجوك.
وعمّت القاعة ضوضاء شاملة.. دوّامة من الصخب، جعلته يهرول متحسِّساً طريق الهرب، واعترضه طرف ستارة مُسدَلة فأمسك بها، ونَتَرَها بقوةٍ، فأسقطها والصق وجهه بالزجاج بحثاً عن نافذة الخلاص التي تدفّق من خلالها شيء من نور الشارع أَخفَتَ الاصوات، وبقي حتي بزوغ الشمس مشدوداً الي النافذة.
وفي أولي ساعات الصباح، اتّجه الي الحارس وقال له:
- أرجوك.. إن أتيتُ الي هنا مرّةً ثانية.. فامنعني من الدخول!.

View ghanim's Full Portfolio