قراءة في وجه غيمة

قراءة في مجموعة الشاعر محمد خضر الشعرية (مؤقتا تحت غيمة)



قصائده ( لا تفيق ..كالتين والزيتون )

الغيمةُ تحمِل في وجهِهَا ألفُ قنديل.. هلعٌ مُتَّقِّدٌ حِكمَةً، ونورانيَّةٌ لا توجد إلا على أهداب إلَــه..

كان مُختَبِئاً.. يُفرِطُ البَوحُ بتعريةِ أنفاسِه من الدفء:

(كنتُ أبحَثُ

عن وقتٍ أضعُ رأسي

في عقاربِه وأنام



كُنتُ بينَ يديك)



هنا لن يجرؤ النَّوم، وإن احتَبَسَتِ الشمس عن وسائِد الليل..

ثم يرحل، آخِذا قصيدته!

***



نصفُ موجَتِهِ قالت:

(إنَّ شمسين لا تكفي

لريحٍ واحدة

تسأله مِراراً:

-( هل بدأتَ القصيدَة؟

ما كانَ ليبدأ

إنَّه يصعد مرتَّين

وإنَّ الجراد أتى يوما، فالتهَمَ شاعر!!

كان مُتعبا من الشُّروع و (لن يبدأ شيئاً يفنى)..



ذلك الشاهِد.. يحمِلُ سبع قصاصاتٍ:

( التَّلوُّثُ، الغروبُ، مبدأٌ، نبوءةٌ، ثلوجٌ، بئر.. أغنيَةٌ..! )

كيف تَنطِقُ هذه القُصاصات حِكمةً للقضاء؟!

الشَّاعِرُ يتجلَّى..

ويُقسِمُ الشَّاهِدُ أربعاً أنَّ الحاشيَةَ والفضاءَ.. وكليهِما، والأسطورةَ، تلاشَواْ.. والخامِسَةَ بدءٌ متبوعُ التَّلاشِي بهم!



***



وعند ذارياتِه اللي رغوتُ بها جفنيَّ ، غادرَني الدَّمعُ حِبراً.. وحِبرُه قليل

( كيف للأبجديَّةِ أن تتشكَّل

والحمَّى برأسي

والرِّيح معصيتي)

تشكَّلت هنا قفراً من ابتسامة.. الكلمات تعلن حِداداً يكاد يكون أبديَّا، لولا اخضرار روحِه!



( جئت

رائحة الامتزاج

التَّوحُّد

في جسدي

والبرد المبجل

يسقط الآن

حافي الرأس

أشيائي استقرَّت

....)

ويستقرُّ كل شيء كما أراد له الشَّاعِر..

لكنَّه يقطُنُ وجَعاً يدوي في أذُنِ الحرفِ..

هنا لحنٌّ عصِيٌّ عن التَّبرُّج!



( ليتني أخبرت أمي

أنَّني شمعدان

وانَّ الأرض مُظلِمة)

هل حقَّا أراد أن يُخبِر أُمَّه؟

لو كُنت أنا.. لم أكُن لأفعَل

كي يأتِ الحرفُ الذِّي يحملُ تلك الأنَّــة ،، انكِسارا في عُنُق الذَّاكِرة..



(وأنَّني مُنذُ أن كُنتُ

في حُضن النَّبات

وأنا حُطامٌ شامخ)

أيُّ شُموخٍ لدمعةٍ عصِيَّة الطلِّ.. كأنَّك تشتمُّ رائحة بكاء طفل!

..

يبحث عن خاتمةِ النَّبع

كيف له أن يعدو إلى آخِرَة الروح؟

وروحُه تمتدُّ بحراً، ظلاً.. وهتون!؟



( مُنتهى الذَّاريات

ـن أزرعَ الآنَ

مملكة جديدة

.........

.........

سأبدأ).. . وحبري قليل

لا يحتاجُ إلى دواةٍ ولا قِرطاس.. الشَّمس تبسُطُ كفَّها ليدغدِغَ بأنامِلِه عسجَد النَّهار..

وتهبُهُ الزُّهور أكمامَها أداةَ عزفٍ، والقيثارُ شريعةٌ لم تُشرَّع بعد!

تلك مملكته الجديدة.. لا يمكنك إلا أن تتنفس هناك..

***



وفي سيرة الحطبِ ما تيَسَّر من احتراق..

( وحده النمل.. كان يضع سدادةً

مِن قُطنٍ في أُذنيه

ويجمع الحطب...)

منذ الأزل، وإحساسُهُ بالشِّتاء مُخيفٌ،،

النَّمل!!

***



ويغضبُ الشِّتاء..

...

ولهُ سَطحٌ مُتساقطُ الأبجديًَّة:

( إنَّه الوقتُ ساعة أن أخضعناه

إنَّها لحظةُ اندِماج الشَّمع بالسَّراب

وتساقُطُ الكلماتِ من سطحِ الشِّتاء

إنَّها لحظةُ الغياب)

...

ما تُراه يبقى للجنَّةِ من سِحرها -حين يرتعِدُ في نواحِيها الشِّتاء- غير سحر أجلّ

لا يمكننا إلا التَّعري أمام زفرات روح تلوحُ لِبعضِها ..

نتشَبَّثُ بتَهالُكِ القدرِ على منديلٍ ممتَعِضِ الوجه، يحمِل ارتِعاشاتنا ويتمايل في مهَبِّ غُربَتِه..

(وأنا كُنتُ هناك

ألتقِط أعضائي التَّائهة)

ويكشِفُ الليلُ ما تاهَ واختَلَج

وما هو على رجعِهِ بِقادر!

(أبحثُ عن سرابِكِ المعلَّب

في ليلي الفارغ

لا أسمع إلا أصداء رماديَّة)

هل انقضى تاريخُ تعليبِه؟

أم مُدنُ وسائِدهِ المُعتِمةِ باتت لا تحمِلُ إلاَّ ها!

(وحدَها الروح كانت زهرة عارية)

وهل كان يرى سواها؟

...

تسمعُ نبضَ حروفِه كوضوحِ التشويشِ

يهزأ بأقراصنا المنتصبةِ فوق سماواتِنا الضَّيِّقة

(حيادِيَّا كُنت)

لكنِّي لن أكون كذلك..

غضب شتائِه يجرفني

أم أُكمِل صوب الغلافِ الآخر

(لكنَّ الليل أبى واستكبَر)

كما أبى شتاؤه إلا أن يعود

كعامٍ ذِي فصلٍ واحِد

يا لروحِه الغاضِبة

لمَ طُفولةُ روحِهِ تُعلنُ براءةً وشراسةً هادئِة؟

يهزأ المَساء

يسرقه منه

حتى من مَطَرِه

ولا يبقى( سوى أجسادِنا المهيَّأةِ للتَّلاشي)

..

مَكثتُ طويلا أجمعُ حُطامَ النُّجومِ

لا بُدَّ له مِن ابتسامةٍ شاردةٍ خلف المدى

لكنَّه يعلِن:

(كنَّا ننثُر اللَّيل)!

روحٌ تترفَّع حتى عن العُبُوسِ بوجهِ ذاكِرةٍ أنضجتها الجراح

لن يتركه منثورا

فالوسائد تستريح هناك

(نُعيدُ ترتيبَهُ قطعةً قطعة)

رغمَ استِبداد الخوف بزواياه..



أُوَّاهُ..

أيُّها الهائِم على ما تبَّقى مِن فتيلِ عُمرِك

بمُهجَتِها

أيُّها المرتَكِبُ خطيئةَ التَّنَفُّسِ

بعيدا عن عشبٍ مبلول

( وأقرأ وجهي مِراراً)

كم صعب هذا الدَّرس؟!

حاولتُ أن أقرأه منه

لكنِّي أُصِبت!

( تكونين قارعتِي الآتية

وأرسم وجهَكِ

ضوءاً عصِيَّا

ورداً جنيَّا

وتجريداً يُباركهُ المطر....

سأحمِلُ أمتِعتي في هدوء

وأرحل قبل الشُّروق

رحيلاً يليقُ بمُهجتِك الزَّاهِدة

سأترُكُ وردا على الرَّف

وهجا حميداً

وأرحل)

..

حدَّثني الرَّفُ ذاتَ قراءة

قال:

إلاَّ وُرودُه

كيف أحني ظهري لها

ولا أبكي؟؟؟



(سأبحثُ عن نخلةٍ لا تئِن

ولونٍ يُبيح التَّنفُّسَ

في العُشب)

قال البوحُ لحرُوفي:

لا تنتَحِبي





ويحاوِلُ تسميتَها....

ثم يعطي البدر شرفَ تقبيلها..

( اصعدي مِعراج الليل

آن للبدر أن يقبل جبينك)

ولم يجد اسما حتى الآن!



ما أكثر ما يقول الشاعر

وأكثر مما يقول، يُخفي

فمن كانت حُجرتُه

لدمعةٍ يُذِيبُها

أو نمارِق يُبكِيها

فحُجرتُهُ مقصدٌ

وهجرتُهُ واجِبة

( والهجرة حكمةٌ مُختصرة)

..

سمِع عنها من يحمِلُ لقَبَ الجنَّة

ورُوِيَ فيها:

( عن شاعرٍ

هاجَر حتَّى الثَّمالة

!! )

ويكفي أن تمرَّ هنا

لتَكشِفَ لك رابِيَةُ الجنَّةِ عما قيل عنها:

"ولا أُذنٌ سَمِعت"!!!





وعشرة مقاطع من ذاكرةِ نَافِذةٍ

ليست كمقاطِع ذاكرةِ الولد الخمسة!*

فتلك

لا مفاجآت فيها آيلة للذهول

كمقطع نافذته الثالثة:

( -3-

مرة وأنا أدرس اللغة

فاجأتني ميم النُّسوة)



وفاجأني مقطعٌ مُغلق

عُلِّقت عليه لائحةُ تحريض واضحة

كلها ضباب

إلا هيَ

( -5-

صالح والحواريون يمرون

بعد قليل

أقفلي النافذة)

!



ويحمل السابعُ سحرا كسحر مَولِده

كنبضِ الثانية المشاغِب

كفراشةٍ مُجنَّحةِ الوهج

تتَّحدُ ونورُها..

للانصهار مُتعةٌ

يجيدُها الثلجُ المُعبَّأ في جفن الشَّمس

( -7-

اليوم يستقرُّ اللَّظى

تبكي الشَّرائِع

بين رملينا

نُبحِرُ في المد والجزر

نبدأ حِوار الحضارات

النَّهر مرجِعِيَّتُنا الأبديَّة



التَّوحدُ، الالتِحامُ المُبارك

بالدَّمِ والزَّيتِ والبخور

مُرادنا الجديد)



أنَرحل في صيفٍ شاسِع

( لنبحث عن توتةٍ ناضجةٍ

وصراطٍ حميد)



ويدركُ كم سيغرِقُه ظلام

( -9-

سيغشانا الظلام

أعِدِّي قهوةً مُتعبة)



غدا الضُّحى

فإلى لقاءٍ

(في الضُّحى القادم

سوف نحزم أمتِعتنا

ونرحل للنَّبع)

***



وإليك..

أينما تغرقُ في اللغة

جمالُ حروفِكَ يطفو

وتستقرُّ الحروف في الأعماق

لا تفسير

سوى كثافة بهجةٍ عالية

(ماذا لو عرِفَ من قتلك

أنَّك الآن تتكئ مبتسما

وقيثارٌ من عاجٍ وزبيب

يعزف ألحانَك)

؟

***



لآثامِه تحيَّة

من معراجِ خيالاته

وحتى نزولِ عيسى الدَّمع

يحدِّق الفجر بأحلامه المنسكِبة على الوسائد

(ويتثاءب الليل فينا

ويمنحنا وقتا للثرثرة

ولجنيِ البلح)



هنا أضأت مصباحي عنوة

لا أريد أن أرتجف "الآن"

و"الآن"، لا يريد أن يرتشِفَني!

و(سقطنا في سدرةِ

مُنتهى الكلامِ

في غيبوبةٍ

في مفازةِ اللحظةِ الحاسِمَةِ

كل كُنَّا في وعيِنا

أم كنَّا نتحدَّى القبيلة

عندما جلسنا في النُّور)

القبيلة حزمت خيامَ الليل

وتركتني أقرأُ وجه الغيمة...

***



أن يتوهَ ظمِأي

في رُبعِ عُمرِهِ الخالي

ليُفاجئَهُ حُلُمٌ

يقودُهُ شمالاً باتجاه امرأة

ويصبُحُ واحةً

و(عينانِ من وهمٍ تجُرُّ خُطى السَّرير)



في كلِّ تفاسير المطر

لم أجِد سبباً لنزول قطرة!



(يا أيها الضوء

الذي يأتي على شكل امرأةٍ

سجَّادتي اكتملت نسيجاً

عبقريَّاً

واحتي حبلى بمثلك

أيها الوهم العنيد

يا أيُّها الشَّجرُ

المُوزَّعُ في وريدي

استقرّ

نزفي حميد

إن تساقط

والسُّفوحُ وِشايةٌ للقاع



هل يستقرُّ الثُّلجُ صلباً

في الكؤوس الحارقة

ولظاكِ مروحتي

وخيلك ثائِرة

مدِّي إليَّ بغصنٍ

تصعدُ الآهاتُ منهُ

تلهث الرِّيشةُ

خلف الاخضرار)

تلهثُ

تلهث....

***



هُنَّ كُلُّهُن

حتَّى الموجةُ

حتى الغيمةُ

حتى الشَّفَةُ

وحتَّى مجهولةُ التَّأنيثِ

مِنهُنُّ

وحتَّى النون تتبعُهُن

آمنَّ

بما أَنزلتَ على رُسُلِ الحرفِ

من مُعجزات

قد تمُرُّ بِهِنَّ

فينصِتن لأُنثى في عمقٍ لم يظهر بعد

كما( قد تمُرُّ بك امرأةٌ لا تقطِفها

تكتفي بِكتابتِها

ثمَّ تمضي حزيناً)

!!!

***



رحلتُ إلى قطرةٍ

في نعشٍ

كلُّ البنات كنَّ هناك

لِذا أتت الغيمة

فلم تجِد أحدا!

وتحققت النبوءة:

( يوماً ما سأقرعُ الباب..

لن أجدكِ....

سأُعلِّقُ ورقةً على الباب

أتيتُ ولم أجِد أحداً

سوفَ أركُلُ أيَّ شيءٍ أجِدُهُ

في طريقي..)

***



يا لبحرهِ مُترامِي الموجِ

متَّحِد الزُّرقة

يا لغباءِ الذَّكاء الاصطناعي!

يا لجمالِ برنامجٍ يرسُم الشاعِر

أخضراً

يا للسَّماءِ قبَّلَتْــنِـي

يا للقزَحِ حمَلَني رغمَ افتضاح ألوانِ الضباب

في خاصرتي

هل لِمُهندِسَةٍ أن ترسُمَ شاعر!

هل لي أن أُبرمِجَ النَّار

لتصبِح زئبقا!

هل لـــ "نبراس" أن تقترِف المُحاماةَ

فتدافِع في قضايا القراءة :

"تلاوةُ الغيمة لا يجيدها إلا المطر"

أم آن للوقت أن ينفَذَ مِن عقاربه

ويضيق

( ويضيقُ كالبُؤس...)



***



مابين الاقواس من المجموعة الشعرية





*قصيدة للشاعر محمد خضر: خمسة مقاطع من ذاكرةِ الولد

نص جديد للشاعر





نبراس قازان

عن مجلة أبولو ود http://www.wedd-web.com/index.php?c...p2_articleid=88


View nibras's Full Portfolio
محمد's picture

أكثر من ابداع
كيف تقرئين؟!!

مسافر's picture

قراءة جميلة كأنت
يا عرابة الجمال
هل تقرئينني؟