سمير اميس/الحمامة البيضاء

Folder: 
سرب يمام





  سرب يمام  ..                 سرب يمام                 سرب يمام











-1-

أتصدق

أن للحمام – لو أراد – سطوة

وأن له – لو أحبّ –

جسارة النسور

هل رأيته يوماً .. يعتلي العرش

التاج على مفرقه

وفي يده الصولجان

ينحني لقوة ضعفه الهام

وتتكسر النصال

إن بسط  على الملأ أجنحته

تلك كانت – سمير أميس –

أو – الحمامة البيضاء –

-2-

من الأسطورة جاءت

سليلة البر والبحر معاً

أمها الحورية .. الربة – ديريكيو –

حملت بها دون زواج

وللرب أن يستجيب الدعاء

حين يشاء

فجاءت شبيهة بالبشر

ومن ثمّ

...

ابتدأت الحكاية

- 3 -

ديريكيو

أيتها الربة .. الحكيمة العادلة

مابك تصعقين

حين تطالع عيناك جسد وليدتك الصغيرة

ويدب الذعر  في قلبك

لطفلة لا تشبه الآلهة

وكيف تلاشت مشاعر الأمومة

أمام نظرات الشك والريبة من الربّات

واتهامهن إياك

بما أنت منه براء

كيف قدرت أن تتركي ابنتك وحيدة

للبرد والريح

في بيداء نينوى

ولا معيل

- 4 -

ليس لعين الإله أن تنام

وهاهو بيلوس

إله نينوى العظيم

يشفق على الوليدة الوحيدة

فيرسل لها

رسول السماء – ينبو –

وسرب حمائم

يرعاها ويحميها

فيكون لها أمّاً

لما تخلت عنها الأمّ

-5-

أيتها الحمائم الحنونة

رفرفي بأجنحتك

فوق طفلتي

امنعي عنها حرّ النهار وبرد الليل

احملي الحليب بمناقيرك الصغيرة

اسقيها وغذيها

ثم اذهبي لأجبان أولئك الرعاة

وهاتِ لها ما تيسر من الفتات

تقتات به

فيتفجر بستان الحسن

في جسدها الغض

بأبهى ألوانه

-6-

" منذ الآن صار اسمك سمير أميس

لأنك أشبه بالحمامة البيضاء

تعالي معنا إلى خيامنا

وغداً نبيعك في سوق نينوى العظيم "

هكذا قال الرعاة

الذين اكتشفوا سرقة الجبن

و تبعوا الحمامات إلى حيث كانت

وهكذا مضت إلى مصيرها

لا حول ولا قوة لها

تجهل ما يخبئ القدر

وهو يلعب لعبته الحكيمة

وهكذا تباع إلى – سيما –

ناظر مرابط خيول الملك

لتعوضه وزوجه عن الابن الذي لم يرزقا

وتنشأ  تحت ظلهما

آية من جمال

-7-

اكمل أيها القدر ما رسمت

وقدْ وزير الملك – مينوتس-

ليتفقد الخيول

ثم اجعله فجأة يصعق

لمرأى اليمامة تحلق بين الزهور

لتأسره الفتنة .. لتوقعه في الشباك

ولمرة . . فقط

ليكن  الحمام صياداً

بعد أن أمضى العمر  

يقع في الشراك

نظرة من عيني سميرا ميس

صوبتها كالسهم نحو قلب الوزير

في فتور .. ودعوة خفيّة

وهي تنحني لسموّه

جعلته يدفع ماله لسيما

ويأخذ تحفته النادرة  إلى القصر سريعا

" أيها المزينات .. والماشطات

اغسلوا عروسي بماء الورد

ألبسوها الأرجواني الفينيقي الموشى بالذهب

يليق بحسنها الفطري

ازرعوا خصلات شعرها الأسود الطويل بالجواهر

ولتزف إلي في عرس

ما شهدت مثله نينوى من قبل

-8-        

لم تمنح الآلهة سمير أميس الحسن فقط

بل الحكمة أيضاً

وها هي

تقود هجوما على العدو

بفرقة واحدة

مطلّة من أعلى قلعتها

تلهب الحماس عند الجنود

ليكون النصر

-9-

" من هذه ؟ "

وأشار الملك بإصبعه إلى سمير اميس

أعلى القلعة

يهلل لها الشعب ويكبر

" أشمس هذه .. أم قمر

أم تراها جنيّة خالطت البشر

آتوني بها سريعاً "

وسريعاً تحمل لصاحب النهي والأمر

على محفة يرفعها أربع عبيد سود

مع وصيفتين

إحداهما وراءها راكعة

والأخرى أمامها ساجدة

لقد وقع الملك بيد الهوى

وما مثل الهوى سلطان

وتداعى كل جبروته

أمام فتنتها الطاغية

ويقرر ضمها لنسائه ومحظياته

ويعرض على الوزير ابنته بدلاً عنها

أما سمير اميس فتهمس لزوجها :

" أنها ستقنع الملك بعد أن تصبح في بلاطه

بالعودة إليه

فلينتظر "

وما انتظر

لقد وجد معلقاً

على غصن شجرة

في لحظة مغادرة – الحمامة البيضاء – عشها الزوجي

لم تهتم سمير اميس للخبر

فقد كان المجد والسلطان ينادياها

وكان في نيتها

أن تكون الوحيدة عند الملك

وأن تنسيه كل من عداها

وكان لها ما أرادت

-10-

لازمت سمير اميس الملك كظلّه

في حلّه وترحاله

في غزواته وحروبه

فإذا بها تمتلئ حقداً وكراهية له

وهي تراه

يستعمل في حروبه

أبشع وأقسى أنواع التنكيل و الإرهاب

ككل ملوك بابل وآشور

وكان آخر ما شهدته

ما فعله حين ظفر بأعدائه

في حربه ضد الطورانيين

الثائرين عليه

سلخ جلود شبّانهم أحياء

ليعلقها على جدران بناها أمام أبواب المدينة الثائرة

قطع رؤوس الثوار

و نظمها في حبل على شكل عقد

حكم على من بقي حياً من الرجال

أن يأكلوا لحوم أبنائهم و بناتهم

أمر بمن أبى قطع أنفه و أذناه و شفتاه

ثم يساق مع الآخرين الى العاصمة

ليدخل بهم دخول الغزاة المنتصرين

وفكرت سمير اميس

تحت وطأة كراهيتها لهذا الوحش الآدمي

كيف تتخلص منه

ولم يكن أمامها إلا طريقاً واحداً

أن تشعل نار الشوق بقلبه إليها

ثم تقصيه عنها

لتطلب في لحظات ضعفه ما تريد

-11-

وقال الحمام كلمته القاصمة :

" أريد السلطة لثلاثة أيام

أجلس وحدي على العرش

آمر فأطاع "

ضحك الملك

حتى استلقى على ظهره

وقال لها : لك ما تريدين

وظنّه لهو وغنج

من حمامة وديعة

-12-

جلست سميراميس على عرش نينوى

تأمر وتنهى و تحكم

انقضى اليوم الأول بسلام

و طلع صباح اليوم الثاني

من الأيام الثلاثة التي منحها إياها الملك

فكان أول أمر أصدرته سمير اميس

أن يقبضوا على الملك ..!

أطاع الجنود أمر الملكة

ووسط دهشتهم

اقتادوا الملك المستعطف

ذلا وخضوعا

إلى الذبح

دون رحمة

جزاء ما كسبت يداه

ليثور الشعب ثأرا لرأس الملك

ويطلب القصاص من حمامة تحولت لقاتلة

تلقت سميراميس نبأ الثورة وهي في الحمام

فلم تذعر

بل خرجت لتطل من شرفتها

نصف عارية

بغدائر مسدولة على كتفيها

ليتحول الصخب والضجيج

إلى صمت

ثم إلى عبادة وصلاة للملكة القاتلة

لقد أصبحت سمير اميس في مقام الآلهة

ومنذ ذلك الحين

ولعشرين عاماً

أصبحت وحدها تحكم دولة مترامية الأطراف

و تقود شعبها من مجد الى مجد جديد

على عرش آشور

بجيش لم تر آشور مثيلاً له

-13-

خضعت لسمير اميس

آسيا وميديا وفارس و إرمينيا و فينقيا

وحدها الهند وقفت في وجهها

فسعت إلى الحيلة للتغلب على هذا الجيش الجبار

الذي يستخدم الفيلة في الهجوم

أمرت بتغطية مائة ألف جمل بجلود الثيران لتبدوا كالفيلة

وصنعت ألفي مركب تشق بها مياه نهر السند

وحملتها على ظهور الجمال

لتبدأ الحرب

ووجها لوجه .. التقى الجيشان

أنزلت فيلتها الزائفة إلى المعركة

فكسبت الجولة الأولى

أسرت مائة ألف هندي .. وأغرقت ألف مركب

فتظاهر الملك الهندي عندها بالتراجع

لينطلق جيش سميراميس خلفه يجمع الغنائم

و سرعان ما أدرك الهنود الحيلة

برؤيتهم جثث الفيلة الزائفة

فعادوا بفيلتهم الحقيقية ليسحقوا جيش سميراميس

وليصيب سمير اميس

سهم من يد الملك الهندي

جعلها تسرع مع ما تبقى من جيشها المقهور

إلى عبور نهر السند عائده إلى بلادها

و تم الصلح بتبادل الأسرى

وفي آشور

لم يبق لها سوى الربع أو اقل من جيشها الذي خرجت به

-14-

بدأت المؤامرات والمكائد تحاك ضدها

و ضاق ولدها ميناس بخمول ذكره أمام سلطان أمه وعظمتها

راح يطمع بالملك

ولم يغب عن سميراميس ما يدبره لها

فأرادت أن تتدارك الأمر

بالزواج منه

و لم يجد هذا الزواج نفعاً

فميناس لا يفتأ يدبر المكائد لها

إذا فلتتنازل له عن العرش

وتسلمه مقاليد الحكم

وهكذا

خلعت التاج وخرجت من عاصمتها بابل

-15-

عادت سمير اميس إلى البادية التي تلقتها وليدة

وعاشت هناك منبوذة وحيدة

ولما لم تطق  ذلك

رفعت يديها إلى السماء

متوسلة إلى الإله بيلوس أن يأخذها إليه

فاستجاب لها رب الأرباب

  وحولها إلى حمامة بيضاء

رفرفت عالياً في السماء

مع سرب حمام يشابه الذي رباها

لتكون واحدة من ربات آشور و بابل

وليعبدها أهل السماء

كما عبدها أهل الأرض





*ثناء درويش*












View ثناءدرويش's Full Portfolio
عزت الطيري's picture

احييك ولشد على يديك
ها انت تزدادين تألقا يوما بعد يوم
وهانخن هنا ننتظر فيوضاتك وفتوحاتك