الفراشة

Folder: 
قصص قصيرة

قصة قصيرة....... كُليزار أنور

الفراشة

فراشة بيضاء تدخل.. تدور في جو الغرفة.. تتبعتها بنظري.. إنها تتجه نحوي.. تقترب.. تقف على سبابتي اليمنى.. تحتضنها بشوق.. دفعتها بقوة ولم تبتعد.. رججتُ يدي ثانيةً.. لكنها مصرة على التمسك أكثر.. ما لهذهِ الفراشة ؟! أنظر إليها.. ليست فراشة.. بل صبي بملابس بيض لهُ جناحان أبيضان.. أنظر جيداً.. نعم وفي غاية الجمال _ ضحكتُ في نفسي _ تصورتهُ فراشة! ماذا يريد مني هذا الصبي الفراشة ؟ حاولت أن أسحبها بيدي الأخرى.. لكني لم أستطع.. فجذبتها بقوة فأتى جناحها بين أصابعي وسقط صريعاً على سريري.. نظرتُ إليه وإلى جناحه الممزق.. داخلني حزن طفيف.. لقد مزقتهُ أشلاء.. يا لقساوتي.. ندمت.. انحنيتُ نحوه.. رفعتهُ.. فحرك عينيه يميناً وشمالاً فتأكدتُ حينها أنهُ مازال على قيد الحياة.. نبتت ابتسامة في قلبي.. فلا أُريد أن أكون سبباً في موت أحد.. حتى لو كانت فراشة !

الصك بين يدي أُدون فيه اسم المراجع والمبلغ الواجب صرفه.. أرفع نظري إليه طالبةً منه الهوية.. جرس مفاجئ رن في رأسي عندما رأيته ذكرني بحلم ليلة أمس.. عيناي وقفت شاخصتا عند عينيه لا تريدان أن تنخفض.. ويتأرجح فكري مثل بندول ساعة ما بين الحقيقة والخيال.. أيمكن؟! فزمن الأحلام قد مضى.. فالذي أمامي هو (صبي الفراشة) لا أعرف كيف دونت الصك.. ولكني دونته بطريقةٍ آلية بحتة.. فالصكوك اختصاصي منذ سبع سنين.. والذي استغربتهُ أكثر بأن وجهه أيضاً اكتسى بالدهشة حينما التقت عيوننا.. ماذا هناك؟ أيكون قد حلم بي هو أيضاً؟ لكن كيف؟ كفراشة أم طائر أم قطة.. لا أدري!

عيون مشعة تنزف أشياء لا تستطيع أي كلمات ترجمتها.. هكذا وجدته أمامي وجهاً لوجه بعد أيام.. سلم عليّ _ وماذا في ذلك _ رددت السلام وقلت بكل براءة وصدق:

هل من خدمة؟

فرد بخجل:

_ لا.. فقط أردت أن أُسلم عليكِ.

ومضى. جرس الحلم يرن في مسامعي.. بدأت أسترجع في ذاكرتي خطوات الحلم.. ماذا يريد مني هذا الرجل (صبي الفراشة)؟ وتكررت الزيارات.. لم يكن بمقدوري رده.. لأنهُ في غاية الأدب ولم يخرج بتاتاً من حدود اللياقة والأصول.. وجدتهُ ككتاب مكتوب بلغة جديدة وأسلوب بليغ.. وبدأ بيننا حديث ما لبث أن صار ودياً. شاب متزن يتكلم بدبلوماسية خاصة.. نهر من الثقافة ينساب عبر كلماته.. الوحيد الذي لم يشعرني بالملل عندما يتحدث، بل كنتُ دائماً أرغب في المزيد.. ملامحه رزينة بريئة تلوح منها تلك النظرة المعبرة الصريحة التي تحمل في عمقها كل الحب. لا أدري!..وكأنهُ رشق حياتي بحفنةِ سحر.. وغدا ذلك القلب الذي تصورته صحراء تحول إلى حقلٍ ترفرف على رياضهِ الفراشات.. فكل شيء ينطق بأنهُ في حالةِ حبٍ حقيقي. لا أنكر.. أعجبني اهتمامه.. وربما تماديتُ معه بعض الشيء لأرى كيف سيفسر حلمي! إذاً.. دخلتُ معه أو مع نفسي حلبة الصراع بين الشك واليقين.. ففي بعض الأحيان قوة الواقعية تضاهي بكثير قوة الخيال!

وبعفوية صادقة بدأت الصداقة تأخذ أدراجها إلى قمم الحب واستطاع بهذه المدة القصيرة أن يسقيني من بئر الحنان والثقافة ما كنتُ بحاجة له حقاً.. وجعلني أكتشفُ نفسي من خلاله.. وفي آخر مرة رأيتهُ فيها شعرتُ برغبةٍ شديدةٍ بالبكاء وهو يسلمني كتاب " سارتر " قال:

_ أقرئيه جيداً وسنتناقش به.

ثمة شيء في داخلي كان يؤكد بأننا لن نلتقي بعد اليوم.. ولم نلتقِ! اختفى من حياتي كما تختفي الشهب التي تبرق للحظات.. أنهيتُ قراءة الكتاب.. وكنتُ مستعدة أن أمتحن فيه لا أن أتناقش به فقط. كل طرقة باب.. كل هاتف يأتيني.. أتصورهُ هو. وتمر الأيام ولا جديد.. يومي كأمسي، وربما كغدي أيضاً.. كخرزات مسبحة !

السكون يغطي كل شيء ولم أجد سوى الوحدة طريقاً أمامي.. فكل ما أعرفهُ عنه هو اسمه. وعدتُ أسلسل خطوات حلمي من جديد وإلى أي مدى قد وصلتُ معه.. فصبي الفراشة ترك جناحه عندي، وهو ترك كتابه عندي.. ولابد أن غيابه يعني أن حادثاً قد وقع له.. ففي الحلم وقع (صبي الفراشة) على سريري ما بين الحياة والموت.. فالحلم هكذا يُفسر!

بقطرات الصبر نستطيع أن نغذي الأمل دوماً.. وبقيتُ أنتظر بقية التفسير، فلحلمي بقية! وشعرت بأن الغد سيأتي ومعه جديد.. والغد دائماً يوم جديد! هكذا كنتُ أُصبر نفسي.. واحة جميلة زرعها في قلبي ومضى.. فالحب زهرة طبيعية ربما تذبل بمرور الوقت.. لكن عبيرها يبقى عالقاً في القلب.. والحب تحول مع الأيام إلى ذكرى.. ولكن ذكرى أقوى من تفاصيل الحب نفسه.. وتحولت (الفراشة) في حياتي إلى (رمز)! لا أعلم.. فكل ما أعلمهُ.. ان قلبي لم يعد معي.. بل مع الفراشات! فعيوني تتبع _ بشكل غير إرادي _ كل فراشة ترقص للربيع.. يخفق قلبي مع جناحيها إلى أن تبتعد.. فاللوحات على جدران غرفتي وقماش ستائرها فراشات.. والإكسسوارات التي أتزين بها.. وحتى عطري يحمل اسم الفراشة ! شعرت بأن الألوان كلها غابت برحيله وخُيل لي بأني أرى كل الأشياء بالأسود والأبيض.. فيد الأيام لم تستطع أن تمحو بصمة ذلك الحب.. لأنه التصق بالأعماق.. ولم أُفكر بغيره رغم أسراب الطيور حولي.. فقد اخترت فراشة!

كيف لي أن أسدل الستار وأعلن النهاية ؟ فالحلم فيه بقية للتفسير! كنتُ أُحاول جاهدة أن أخفي قلقي.. لكن ملامحي بالتأكيد تفضحني.. بالرغم من انه..كان حلماً.. إلاّ اني كنتُ أشعر بوخز الضمير في داخلي، فأنا مَن مزق جناحها. وتحولت الفراشة إلى قنديل طريق.. ففي كل يوم أُعيد ترتيب خطوات الحلم وأُطابقه مع ما تحقق منه.. وبقيتُ أنتظر البقية.

السنون تحترق تحت حوافر الزمن والعمر يتلاشى ببطء في بحره .. ما أغرب ما حدث لي! لو حكيتهُ.. هل سيصدقهُ أحد؟ لا أظن! وما لا يُحكى فمن الممكن أن يتحول إلى قصة.. وحينها ستصدق!

_ صباح الخير .

سمعتها بصوتٍ دافئ خجول.. العالم كلهُ أُختزل في هذه العبارة.. التقت عيوننا فأورقت كل الغصون في قلبي.. تتلون اللحظات من جديد على شاشة الوجود.. كل شيء توقف فيّ.. إلاّ.. الذاكرة.. بانوراما من الصور الحية تجسدت أمامي تحرق بسرعة السنين التي مرت.. يخفق قلبي وتتعثر كلماتي.. فعودتهُ كفيلة بأن ترمم بلحظة كل الشروخ العميقة التي أحدثها القدر لنا.. دفق من الدفء انتقل إلى يدي، إلى قلبي حين صافحني:

_ دعينا نخرج .

_ كيف؟ فالسماء تمطر في الخارج! _

وماذا يعني.. انهُ فأل حسن.. سقوط المطر سمفونية رائعة لتجديد الحياة فينا. أليسَ كذلك؟

جبل جليدي كان يجثم فوق صدري.. وفي هذه اللحظة شعرتُ بأنهُ يذوب.. يذوب بسرعة ويتحول إلى جداول تتراقص عليها عصافير تزقزق بفرحٍ غامر!

www.postpoems.com/members/gulizaranwar

View gulizaranwar's Full Portfolio