موت المؤلف واعتماد نسق السرد في رواية عجلة النار

 
موت المؤلف واعتماد نسق السرد … في رواية عجلة النار

 

 بلاسم الضاحي

 

بات من الفائض ان نتحدث هنا أو هناك عن الأدب الأنثوي والأدب الذكوري ولا أرى ضرورة للصق هذه الصفات على هذا المنتج الأدبي أو ذاك ولا اجد انها تشفع  - اذا ما كانت انثوية أو ذكورية – لعمل هابط أو مبدع الأهم ان تكون القراءة من متن المنتج الأدبي باجناسه كافة لذلك سنتناول ( عجلة النار ) على انها عمل روائي صدر عن دار الشؤون الثقافية العامة / بغداد / 2003 / وبتجرد عن صفة الأنوثة أو الذكورة لمنتج هذا النص .
    من يتكلم داخل ( عجلة النار ) ؟
     المؤلف ؟ ؟ أم السارد ؟ ؟
هناك عوالم مشتركة في ترسيم العمل الروائي منذ نشأته ( واقعة ) الى ( تنصيصه ) بعد تلوينه بـ ( المتخيّل ) بظروفه الموضوعية التي تتحول بفعل كيمياء الخلق الأبداعي الى حكاية فنية يتمثلها ( المكتشف ) الذي يتلقى المدوّن منتجا فنيا نتج عن وقائع الواقع وليس الواقع الذي عاشه بنفسه أو بغيره .
و ( عجلة النار ) التي اعلنت موت مؤلفها بانهاء مهمته عند بداية الجزء الأول وحصرته عند مساحة ( مدخل رقم واحد ) و ( مدخل رقم 2 ) واوجدت اختلافا في رسم صورة الترقيم التي وردت مرة ( رقم واحد ) واخرى ( رقم  2 ) وحيث لم نجد لهتين الصورتين مبررا دلاليا حملناها على انها خطأ في الطباعة أو عدم انتباه ! وما المدخلان المشار لهما اعلاه سوى مقدمة توضح وتشرعن الفعل الحكائي الذي سيسرد بعدهما على مساحات المتن وهذا الأداء يذهب بنا الى تصنيف هذا النوع من القص على انه من ( السيّر الذاتية ) التي تتخلى عن المتخيّل وتعتمد على السرد فجاءت (عجلة النار) بثلاثية ترسم مضمونها هي واقع + سارد + متلق دون ان تمر بفعل كيمياء الخلق الأبداعي الذي يحيلها الى حكاية فنية على مساحات تنصيصها وانما نقلت الواقع الذي يعد كائن بليد ( استاتيكي ) اذا لم يدخل حاضنة التخيّل ويخرج منها نحو التنصيص ليتحول الى واقع فني ( ديناميكي ) ، جمالي ، معرفي ، ليس بمنطق التقليل من شأن الواقع انما لجعل النص يناظر الواقع ويختزله ويستشرف همومه وتأزماته وان يختار النص زوايا التقاط الحدث من الواقع ويلونها بألوان مدهشة مثيرة للتساؤل وان يخلق من الواقع ( ميتا ـ واقع ) ضمن اشتراطات معرفية وجمالية لا افتعالية لذاتها .
 واعتمدت ( عجلة النار)  على ( راغب ) السارد الأول الذي أفردت له الجزء الأول من الرواية و( روزين ) أفردت لها الجزء الثاني أم الجزء الثالث فقد تركت مهمة تنسيبه الى المتلقي وتركت السارد يبث عوالمه المسرودة وينتج كلاما يوزعه بين الشخصيات الأخر التي يمنحها حق التعبير عن موقعها داخل الحكاية لتحيلنا بكلياتها الى سردية تعتني بمكونات الخطاب سعيا الى الكشف عن نظمه عبر ما يترشح عن الحكاية كوظائف كلية خلال مستوى الأقوال والأفعال في المتن الحكائي مؤكدا وظيفته _ السرد _ في صياغة متن الحكاية من حيث مركز الرؤية في تقنياته لذلك جاءت (عجلة النار) صارخة بالمباشرة لا تحتمل التأويل والمساءلة لعمومية الموضوع وشائعيته وبقاء صلاحيته قائمة بوصفه تجربة قريبة الحدوث ومر بها المتلقي بنفسه أو بغيره هذا من حيث التكوين الحكائي بوسائله التنفيذية مثل الشخوص ، اللغة ، الحدث الفعل ، بأستثناء العنوان الذي يحتمل التأويل والكشف عن مداليل المفردتين المكونتين له ( عجلة + النار ) والتي لا تعطي مداليلها الا بعد قراءة المتن الذي يكشف لنا حصر هذا التأويل بموضوعة ( الحرب ) على عكس ما هو مطلوب من العنوان الذي تنهض اهميته ( من كونه الوحدة الدلالية الأولى الحاوية لفكرة النص بتركيز وكثافة والتي تتفرع منها بالتتابع أنساق النص الأخرى ، العنوان هو بؤرة الأثارة التي تعلن اهميتها من الوهلة الأولى ليس على النص فحسب بل وعلى المتلقي كذلك ) ( 2 ) نجحت الكاتبة بأبداع العنوان لكن بعد قراءة المتن بمعنى يكتشف المتلقي أهمية مداليل العنوان بعد قراءة المتن على عكس وظيفته التي يجب ان تشع بومضة تنير مساحة المتن لأول وهلة ولو كان المتن بمستوى روعة العنوان لقرأنا ما هو أمتع وبعد ان يستفزنا ( عجلة النار ) نصاب بخيبة بعد ان ننتهي من قراءة المتن .
تتركز حكاية ( عجلة النار) على (راغب) عسكري اصيب اصابة غامضة لم تكشف لنا الحكاية عن ماهية هذه الأصابة في الحرب العراقية _ الأيرانية ، جاء ذلك من اشارات مباشرة عن ( الفرس ) في المتن الروائي مما يدلل على ذلك ( كانوا يتكلمون الفارسية .. لم نفهم شيئا مما يدور بينهم ) ص 9 ، يدخل ( راغب )  المستشفى العسكري ويهتم به أحد الأطباء الذي يغادر المشهد القصصي من وهلته الأولى يفيق ( راغب ) ويعود الى وعيه الذي استمر الى عشر سنوات متتالية ، يذهب الى أهله ليجد خطيبته قد يئست منه وتزوجت بغيره لكنه سرعان ما يتعرف الى فتاة اخرى تدعى ( روزين ) التي تتولى اتمام القص في الجزء الثاني من الرواية التي تختمها ( كليزار أنور ) بالجزء الثالث منها بعبارة قصيرة هي كل الجزء الثالث ( تنفست ملأ صدري ما ان دخلنا بوابة بغداد . دمعت عيناي بالشوق .. بغداد .. القلب ! رغم الحرب ورغم الحصار .. الا ان الحياة معنا .. في بغداد أغنى وأدفأ وأكثر سحرا) ص 129 . وقد ذيلت هذه النهاية بتأريخين متعامدين 7 / 2 / 2000 و 30 / 1 / 2001 ولا أحسب هذين التأريخين الا لأخبارنا عن بداية كتابة هذه الرواية والأنتهاء منها حيث لم نجد مدلولا آخرا لهما على مساحة المتن الذي انتهينا من قراءته للتو .
 وفي قراءة تأويلية لمجمل النص / نستفيد من عبور التأريخين المحددين لأصابة ( راغب ) وفقدانه لوعيه عام 1985 الى ان استعاد وعيه عام 1995 بأشارة الى استمرارية الحرب العسكرية الى حرب الحصار .
اشتغلت ( عجلة النار ) على ارسال مستويين من الخطاب
الأول / خطاب خاص / يتمثل في ادانة الحرب ادانة شخصانية من خلال اللاموت واللاحياة التي تمثلت طيلة السنوات العشر من غيبوبة ( راغب ) الذي عاد الى الحياة ووجد خطيبته قد ملت الأنتظار وتزوجت من غيره الا ان هذه النتائج التي أفرزتها الحرب لم تثن الأنسان عن ان يمارس انسانيته ويبحث عن حبيبة اخرى , تستمر الحياة بخطين متوازيين / الحرب والحب / وتشكل دلالة الطفل ( راغب ) ابن مصطفى كمدلول على ان عجلة الحياة المستمرة لا توقفها عجلة الحرب التي لا تبقي ولا تذر بشررها الذي يتوزع على مستويات نسبية بوقوع الضرر علينا نحن حطبها البشري الذي يوقد ويديم نارها ( صاروخ واحد كان كفيلا باحالة البيت ومن فيه الى انقاض وغبار ونار .. ) ص 32 .
الثاني / خطاب عام / ينسجم مع الخطاب السلطوي المتمثل في تسخير الخطاب المعرفي لأنتاج خطاب اعلامي يتماهى ومتطلبات المرحلة ويؤرخها على وفق خطابه السياسي على اعتبار ان الحرب خطاب سلطوي ناتج عن آيدلوجيا السلطة التي تحاول ان تجد خطابا معرفيا يسوّق خطابها السياسي والخطاب المعرفي ناتج انساني مقبول بعوامل تكوينه للجميع لذلك غالبا ما ينتج خارج السلطة اذا لم يكن مناقضا ومعارضا لها فتعمل السلطة على ترويضه ليماهي خطابها ولأيهام الآخرين بان سلطتهم تنتج معرفة وهذا مطب وقعت فيه ( عجلة النار ) عن قصد أو غيره  ( كم كانت ضحايانا.. ففي زمن الحرب.. كل شئ يلقى مصيره.. ليس البشر وحدهم ! وحررت بدماء غالية لكنها ليست اغلى من تراب الوطن ) ص 57 ( علمتنا الدنيا .. وأدبتنا الحرب) ص57 ( يقولون ان الحرب تعلم القسوة واليوم أدركت كم هم على خطأ ) ص 72 (رغم الحصار .. وآثار الحرب والدمار .. مازالت بسمة الحياة تتجول في طرقات الوطن ) 72 ( انه شئ جميل ان تقام المعارض وعلى اختلاف الوانها ومضامينها .. واحات ثقافية تنبع من قلب الخراب الذي أرادوا وضعنا فيه ) ص 83 ( انتهت الحرب .. خرج العراق من بين انقاض الخراب والدمار نافضا عنه غبار الحرب .. لكن بقي ما هو ألعن ! ) ص 108 ( الحصار .. الحصار ظلام طويل والمصباح في آخر الليل ) ص 108  . هذه بمجملها خطابات تبرر للحرب وتشرعنها بمنطق الخطاب السلطوي .
وعبورا على ماذكرناه ومرورا بما نقرأه بعد ( عجلة النار ) ومما نشرته القاصة كليزار أنور نجد انها تجاوزت هفوات الماضي وأتقنت اللعبة القصصية بأمتلاكها ادوات جديدة وأوجدت موقعا مهما في المشهد القصصي العراقي نأمل منها عطاءات مبدعة تحفز الذائقة بالأتجاه الأفضل . 

اشارات : ـ
1 ـ  عجلة النار / رواية / كليزار أنور / دار الشؤون الثقافية العامة / بغداد / 2003
2 ـ ثريا النص / محمود عبد الوهاب / الموسوعة الصغيرة / بغداد / 1981

بعقوبة
الأحد‏، 12‏ شباط‏، 2006 

 

View gulizaranwar's Full Portfolio
tags: