لحـن العاصفة

Folder: 
قصص قصيرة

قصة قصيرة....... كُليزار أنور

لحن العاصفة


 متى أكتبُ عن العاصفة التي داهمتني.. بعد أن تنتهي؟ إذنْ  أية حقيقةٍ وأية معاناة ستبقى منها! مازالت ريحها تصفعني.. تُؤلمني.. تذبحني.. ومعَ هذا سأكتبها.. بألمي، بدمعي، بحروفٍ لم تنتهِ!
 بنيةٍ بريئة طرقتُ بابه، وبالنية نفسها أظنهُ فتحَ لي.. بهذا الهدوء بدأت العاصفة تجتاحني.. ولم تُثر حينها غباراً.. بل حباً وعطاءً .
 أعطيتها إياه مع باقةٍ من الكلمات الرقيقة.. أعطيتها دونَ أن أطمع حتى بكلمةِ شكرٍ، فعدَ تصرفي هذا في غايةِ الذوق والنبل ، فقابلهُ بردٍ أقوى.. فبدل السطر الوحيد الذي كتبتهُ له دوّنَ لي عشرة على كتابه وأهداني إياه معَ رقمِ هاتفٍ مدون في الأسفل. 
 كانت ليلة رأس السنة.. يومها قلبتُ مئات البطاقات لأختار الأنسب.. وأرسلتها له.. وكان كريماً مرة أُخرى فقابلني ببطاقةٍ أجمل وكلمات تهنئة أعذب من كلماتي .. بدت كقصيدة شعر.. كمياه جدول . أعدتُ القراءة مرات عدة وفي كل مرةٍ كنتُ أرى فيها شيئاً جديداً ومعنى آخر.. تحترق روحي مع كلماتهِ.. وأحسست أنهُ يناديني دون كلام . اتصلتُ بهِ لأشكره.. أتاني صوته كحلمٍ أبعد ما يكون عن التصديق.. تحدثنا معاً بشوقٍ وودٍ حديثاً سلساً، هادئاً، مثيراً، وكأنها ليست المرة الأولى. 
 لم أَنم ليلتها.. تذكرتُ صديقتي وهي تقول: " حينَ أُقرر النوم، ما أن أضع رأسي على الوسادة حتى أغط في نومٍ عميق ". كيفَ يستطيعون ذلك؟ هل النوم عندهم جارية تؤمر.. فتأتي؟ بحار من الزمن انسكبت من عينيّ.. شعرت بأني لو لم أسكبها لأغرقتني.
 استهوتنا اللعبة.. وبدأنا نتراسل.. رسائلنا عادية السطور، لكنها كانت كفيلة بأن توقد النار في دواخلنا. استطاع أن يسحبني إلى عالمه بثقافته وعقله واتزانه وأخلاقه.. والمرأة عموماً، تعشق الرجل الجريء الذي يتصرف بكبرياء وثقة. 
 الحب أسمى عاطفة لدى الإنسان وأتصورهُ أكبر وأعظم من كل الكلمات التي تُقال فيه.. فهو نبع عذب يُفجر في قلوبنا جداول الحياة.. بدأتُ لا أشعر بالوجود إلاّ من خلاله.. كنتُ أبحثُ _منذ زمن_ عن ذاك الشيء الذي سأعثر عليهِ في مستقبلٍ لم أكن أدري متى سيأتي.. وها قد تجسد ما أتمناه.. إذنْ.. هي دعوة للحب.. لكن، هل هو الشاطئ الذي أقصد؟
 أعلم بأن ما أُريدهُ محاط بكومةٍ من الأشواك.. ومع هذا مددتُ يدي إلى الشيء الذي أُريد! 
 بصوتٍ هادئ واسلوبٍ رصين رَحبَ بي.. فجلست.. قرأتُ في وجههِ لهفة الانتظار.. هناك التماعة حزنٍ في عينيهِ لها بريقٌ شفاف تمنحهُ جاذبية من نوعٍ خاص.. يتلون صوته بالشوق والإعجاب.. فضلتُ الصمت في البداية وتركتُ المشاعر والأحاسيس كي تترجم ما نعانيه وتعكس ما في القلوب.. صوته الهادئ واشادتهُ الرقيقة بي وعباراته المنتقاة بدقة.. حتى خُيلَ لي بأنَ الدنيا كرة بينَ يديهِ!
 عيناهُ الرماديتان تنظران إليّ بتعبٍ عميق وفرحٍ بريء.. ووجدتهُ أكبر مني سناً.. وبكثير.. وأوفر تجربة.. وإلى جانبه كنتُ أجدُ نفسي زنبقة تحاول أن ترفع عنقها كي تصل قامته المديدة.
 صورة أول لقاء تترسخ في الذاكرة بصورة دقيقة.. نصف ساعة أو أكثر وأنا جالسة في غرفته وأمام مكتبه نتحدث.. ولو سألوني ماذا تحوي هذهِ الغرفة؟ لَما عرفتُ الجواب.. لأني كنتُ ساهية عن كل شيء!
 الحب علت أمواجه ، اكتسحت سدود مقاومتي كلها.. حب ملأ روحي رضىً وأماناً وسمواً.. إنسان وجدتُ فيهِ أحلامي كلها .. فيهِ فيض من حنان ورقة.. ولم يكن صوت الحب يقول لي ذلك.. بل كل مَنْ عرفهُ يرى فيه مثلما رأيت!    
 لقد لمستُ جمرات النار.. ومَن يلمس الجمرات يكتوي بها.. معهُ أصبحتُ مشتاقة لِما لا يأتي.. ومعهُ بدأتُ أنتظر ما لا يُنتظر.. ففي عينيهِ يسكن ألقٌ حزين.. ويبدو حزنه جزء من تكوينهِ أضافَ لشخصيتهِ عمقاً ووقاراً.. وكنتُ أشعر بأن هذا الحزن يتبدد كلما التقينا.. هل هو وجودي يفعل بهِ كل هذا؟!
 الرجل لا ينال من المرأة إلاّ ما تسمح له هي بهِ.. أحببتهُ بكل عواطفي، وأحبني بكل جوارحه إلاّ أن علاقتي معهُ لم تتجاوز الورقة وخط الهاتف.. ولقاءاتنا غالباً ما تكون بالصدفة وأمام الناس.
 أعرف أنهُ من الصعب أن نجتمع ولو عملنا المستحيل.. فكل شيء يؤكد فراقنا.. بيننا فصلٌ مليء بالأمطار والرعود والبرد.
 هذهِ الحقيقة كانت تتوضح أمام عينيّ يوماً بعد آخر.. حاولتُ أن أقطع آخر أوصال هذهِ العلاقة أو أن أُبددها إلى صداقة.. ولكن، هل أستطيع؟ فمن السهولة جداً أن تتحول الصداقة إلى حب، ومن الصعوبة جداً أن يتحول الحب إلى صداقة.
 وكانَ لابدَ لي من تكسير هذهِ الدائرة المفرغة بيننا والتوجه إلى عمق مشكلتنا ومعرفة مكاننا منها بالضبط.. أنظر إلى عينيهِ.. أستقرئهما.. وهذهِ المرة لم أجد أي معنى.. صمت.. وصمتهُ قال: الأمر انتهى!
 لمسات الحزن بدأت تعتصر القلب.. انهُ لم يحاول أن يفعل أي شيء من أجلي.. أي شيء! فما أسهل أن يزعم المرء انهُ مُحب.. وما أصعب أن يكون!!
 في تلك اللحظة انهدم صرح الحب تجاهه.. هذا الصرح الذي أقمتهُ أنا وسعيتُ إلى بنائهِ لبنة.. لبنة!
 وفراقنا.. كانَ هدية قدمناها مجاناً لكل مَن راهنَ على فشلنا!


www.postpoems.com/members/gulizaranwar

 

View gulizaranwar's Full Portfolio