شيفرة دافنشي

  

شفرة دافنشي

رواية : دان براون

قراءة: محمد الأحمد

كتاب شيق حوي رواية هائلة أشبه بقصص الجريمة الكاملة التي ما ينتهي منها قارئها حتى يشعر انه كان جزءا منها، وقد سلبته إرادته كونه عاشها بكل حيثياتها، رواية أثارت جدلا جعلت مؤلفها في عداد أشهر كتاب اليوم، فهو بمقدرة قل نظيرها في قيادة مسيرة هكذا أحداث كالروايات الخالدة، المتواصلة العطاء، رواية كبيرة امتلأت بالرموز الممتعة والتشويق المستمر، حيث سارت الأمور فيها لكشف الغموض المتسم بالإشارات التي تتطلب من قارئها أن يكون غير مهمل لدقائق الأمور المعرفية ليتمكن باللحاق بإشاراتها الدلالية، فالرواية مكتوبة بالصورة، والصورة طالما رأيناها، ولكنها تحمل منذ يومها إسرارا كان علينا أن نطيل النظر فيها لنلتمس إشارتها، ودلالاتها، ونعرفها بشكل كامل، خاصة اللوحات التي أبدعها كبار الفنانين، وعرضتها معظم متاحف العالم متباهية بإسرارها العظيمة للملأ، وهي غير واضحة الرموز إلا للمختصين القراء المقتدرين على استنباط الخفايا بما عندهم من ابستومولوجيا لسبر غور الغامض البطين، فالظاهر قطعا هو غير الباطن. بطل الرواية (لانغدون)، الأستاذ العالم بالرموز الدينية ودلالتها، والذي ينحدر من سلالة مرموقة من الحاخامات، وبالمعرفة وحدها يمكن للإنسان أن يتحدى ويبقى رموزه وشفراته عالية لن تطال أبدا، وكلما حملت من العلم حملت للخلود بقائها، وتحدت النسيان، فالإعمال الفنية كلما حوت إسرارا قد حوت أسباب خلودها. تنطلق الإحداث من الساعة الحادية عشرة ليلا، منطلقة من متحف اللوفر وهي ليلة مقتل القيم، الذي تبين بان قاتله هو من ورطه في تمزيق لوحة ما. فصارت بداية مشوقة ل(دان براون) والتي أثيرت حولها أكثر الأسئلة المعاصرة، أحداثها المترابطة تثير جدلا متفرعا في مجال الأديان، وجدلها البعض متمحك مع البعض، فهي لا تبحث في لوحة فنية واحدة لفنان واحد فحسب، بل تتركز أحداثها على الاقتراب من أسرار جمعية (سيون ) الغامضة التي تدعي أنها تعرف من التاريخ الحقيقي للبشرية ما لا ليس لدى غيرها، وهي تغور في عمق التاريخ اركولوجيا، حيث لديها من المعارف ما ليس لدى غيرها من إثباتات مادية ملموسة من الممكن أن تكشفها عبر التاريخ المدون، أي بما تركه فنانونها الكبار أمثال (ليوناردو دافنشي)، ولها وثائق لا يمكن الاستهانة بها وهي تملأ متاحف العالم بشفراتها. فأن وراء كلَّ لوحة رمزًا دينياً، أو فكرةً إشكاليةً يمرِّرها الفنان من خلال تلك الأعمال: (كتلك التي في لوحة العشاء السرِّي، مثلاً، حيث يظهر وكأن الشخص الذي على يسار (يسوع) ليس رجلاً، بل هو في الحقيقة امرأة تلبس ثيابًا مشابهة، وإنْ معاكسة في اللون لثياب (يسوع)؛ امرأة تبدو في هذا العشاء وكأنها الشخصية الأهم بين التلاميذ الذين كان تعدادهم (معها حسب اللوحة موجودة في جداريه كنيسة (سانتا ماريا) في ميلانو بإيطاليا) اثني عشر؛ امرأة يفترض أنها تلك المجدلية التي رافقتْه إبان حياته العلنية وحتى النهاية، والتي كان أول مَن ظهر لها بعيد قيامته ). أن السرَّ الذي يفترض أن تحويه الرواية لم يكن سرًّا، فقد كشفه صدور كتاب سابق اسمه (الدم المقدس والكأس المقدسة) منذ الثمانينات، واطلع عليه ملايين القراء، واعتمده (دان براون) كمرجع أساس لهذه الرواية، فما السر في انتشار الكتاب، خاصةً وأن هذا (السر)، الذي لم يكن سرًّا أصلاً، إنما كان متداوَلاً فعلاً على مرِّ العصور، فالكأس كاس نبيذ صغير(يحوره المؤلف إلى حاوية أنثوية- الفصل الخامس والخمسون) مرورًا ب(دافنشي) الذي لم يفعل الكاتب سوى التذكير بالرموز (المعروفة) والمتضمَّنة في لوحاته وأعماله، وصولاً إلى القرن الماضي و(نيكوس كازانتزاكيس)، الذي قدَّم في كتابه الشهير (الإغواء الأخير للمسيح) رؤاه الخاصة لتلك الفرضية نفسها المتعلقة بالعلاقة المفترَضة بين (يسوع والمجدلية). وكتاب (خوسيه سراماغو) المتسم بجرأة موضوعية عالية جعلت من راوية (الإنجيل يرويه المسيح) من بين أشهر واهم الروايات المعاصرة.  فهل حقق (دان براون) نصراً بجعل هرم (اللوفر) المنارة العالية لتسليط الضوء حول جمعية (سيون) الدينية، والتي تُقرأ أيضاً (جمعية صهيون)، وخاصة وجهة النظر المتعلِّقة بمصلَّى (صهيون)؛ وكأن جمعيته التي يتعاطف معها إنما تمارس طقوسًا ذات علاقة بأنوثة الألوهة، وتؤمن بهذه الأنوثة، التي يقول الكتاب (إن يسوع حاول فَرْضَها على تلاميذه من خلال المجدلية- الرواية)، تلك الجمعية التي امتازت بلباس معين، من اجل إن يتعرف أعضائها البعض للبعض، ويقدمون المساعدة ساعة المحن، كونهم تعاهدوا على الرفعة، والتواصل، هدفهم السمو بالدين، فتتدرج الرواية بأسلوب شيق عبر علاقات ذات إشارات كنسية متضاربة لا تتوافق مع العامي لمقدَّساتها. فقراءة رواية كهذه تتعرض للمقدسات وتتجاوز المألوف في طرحها، وخاصة حين تتعلق كتب كهذه بأمور الدين، وخاصة صراعات التعصب الكاثوليكية (أنظر، فإني سوف أُرشِدها لأجعلها ذكرًا، حتى تصير هي الأخرى روحًا حيَّة تشبهكم أنتم الذكور. فإن كلَّ أنثى تجعل نفسها ذكرًا تدخل ملكوت السماوات- الرواية)، لقد قام (دان براون) بدراسة الفن في جامعة (أشبيلية) في أسبانيا حيث تعمق في سبر أغوار لوحات (دافنشي)، مع زوجته (بلايث) الرسامة مؤرخة الفن والتي تركت بصماتها الواضحة في الرواية؛ حيث يمزج الكتاب بين تاريخ الفن والأساطير، ويقدم قراءات جمالية ممتعة لكنائس باريس وروما ولأعمال (دافنشي) خاصة. فقد اعتمد في كثير من معلوماته على قسم دراسة اللوحات، وإدارة التوثيق بمتحف اللوفر وجمعية لندن للسجلات، ومجموعة الوثائق في (دير ويستمينسير)، واتحاد العلماء الأمريكيين وأيضا، فمنذ مقدمتها يؤكد عدة حقائق: أولاها أن جمعية (سيون) الدينية هي منظمة أوربية حقيقية تأسست عام 1009م، وأنه في عام 1975 اكتشفت مكتبة باريس مخطوطات عرفت باسم الوثائق السرية ذكر فيها بعض أسماء أعضاء جمعية (سيون) ومنهم (ليوناردو دافنشي)، و(إسحق نيوتن)، و(فيكتور هوجو). كما أن وصف كافة الأعمال الفنية والمعمارية والوثائقية والطقوس السرية داخل الرواية هو وصف دقيق وحقيقي. ومن عمق متحف اللوفر بباريس، وضمن أجواء بوليسية غامضة تبدأ (شفرة دافنشي) من جريمة قتل أمين المتحف (القيم سونير) أحد الأعضاء البارزين في جماعة (سيون) السرية.. والذي ترك رسالة خلف لوحة (ليوناردو دافنشي) إلى حفيدته (صوفي) الأخصائية في علم الشفرات، ضمنها كل الرموز السرية التي يحتفظ بها، وطالبها بالاستعانة في حل الشفرة بالبروفيسور (لانغدون) أستاذ علم الرموز الدينية بجامعة (هارفارد)، ومن خلال رحلة البحث عن حلّ شفرة الرسالة يتضح السر الذي حافظت عليه جماعة (سيون) الموجودة ضمن وثائق (مخطوطات البحر الميت) وتبدأ ملاحقات بوليسية خطيرة يستطيع فيها البطل مع (صوفي) الهروب من كل الملاحقات ويمران أثناء ذلك بعمليات معقدة من فك رموز رسمية وحرفية وحسابية متروكة لهما من قبل (سونيير) لتدلهما على مكان الدم المقدس الأنثوي، في سياق بحث عبر حبكة فيها الكثير من العبقرية، عبر أماكن تاريخية شهيرة مرورا بمتحف اللوفر الذي تحدث به جريمة القتل، وإلى هيكل سليمان، وإلى المقبرة الشهيرة في بريطانيا، و كذلك إلى كنيسة (Rosemarie)، فيظن القارئ للوهلة الأولى أن الدم المقدس موجود في الكنيسة تحت رمز النجمة السداسية (المنقوش داخلها)، ولكن النتيجة كما في روايات (أجاثا كريستي) حيث نهاية الرواية يكتشف أن هذا الدم موجود في حديقة في متحف اللوفر في منطقة يتقابل فيها هرمان معكوسان (مبنيان تحت بعضهما البعض). (لو دمج الهرمان لرسما النجمة السداسية مرة أخرى اعتمد (دان براون) في الرواية الكثير من المادة العلمية التاريخية، والدينية التي تفيد الباحث في مجال الأديان. فيؤكد أن كل ما يسرده بالغ الدقة والمصداقية، وربما كان تاريخ المسيحية كما يسرده (دان براون) هو الأكثر أهمية فهو الذي أثار حفيظة (الفاتيكان) ضد ما جاء فيها فهو يبطل في روايته مزاعم تسعى الكنيسة إلى أن تثبتها بشتى الطرق حتى لو خالفت في إثباتها الدين والمنطق والتاريخ والعلمية، مؤكدا بالأدلة التاريخية التي يسردها أبطال روايته:(أن المسيحية التي يعتنقها مسيحيو اليوم ليست إلا نسخة محدثة عن الوثنية paganism وأن المسيحية كدين رباني حرفت تماماً بعد وفاة المسيح عليه السلام، وأن للكنيسة "تاريخاً مليئاً بالخداع والعنف- الفصل الثامن والعشرون من الرواية)، وهذا ما جعل الرواية تمنع في أكثر من دول العالم التي تعتنق المسيحية، لأنها تهاجم (تزييف رجال الفاتيكان لتاريخ المسيح ومحو كل الشواهد حول بشريته، كما يؤكد إهدار الكنيسة لدور المرأة حين حولت العالم من الوثنية المؤنثة إلى المسيحية الذكرية بإطلاق حملة تشهير قد حولت الأنثى المقدسة إلى شيطان، ومحت تماما أي أثر للآلهة الأنثى في الدين الحديث، وحولت الاتحاد الجنسي الفطري بين الرجل، والمرأة من فعل مقدس إلى فعلة شائنة، وهو ما أفقد الحياة التوازن- الراوية)، اكتسبت الرواية شهرة بسبب التأكيد على منعها كونها تشنّ هجوما ضاريا على الكنيسة، فالمسيحية اليوم كما يقول (براون)، هي في الأصل من صناعة الإمبراطور الروماني (قسطنطين) الذي حكم روما الوثنية في الفترة ما بين 285- 337 للميلاد أي بعد وفاة عيسى عليه السلام بحوالي الثلاثمائة سنة، . الملقب ب(قسطنطين الميكافيللي ) الذي أراد أن يتزعم العالم الذي يعتنق المسيحية، فقام أولاً بإعادة صياغة الكثير من رموز الديانة الوثنية التي يدين بها شعب (روما) في تلك الفترة بحيث تتلاءم والمسيحية التي بدأت تفرض نفسها، فعلى سبيل المثال وحتى يرضى الرومان باعتناق المسيحية، جعل (قسطنطين) يوم الأحد يوما مقدساً. وكما نعرف أن الأحد باللاتينية يسمى الــ(Sunday)أي يوم الشمس، والرومان الوثنيون قدسوا الشمس واتخذوها إلها (وهي مؤنث)، فعلى يدي الحاكم (قس%D

View alahmed's Full Portfolio