لم يقنعني احد من الرجال .. سواك



لم يقنعني أحدٌ من الرجال  . .  سـواك !





تأليف : جمال السائح



Almawed2003@yahoo.com



( 1 )



ان الطريق الى حالة يكون معها المرء اقرب فيها الي ربه هي ان يعني بنفسه من حيث يعني بطريقه الذي يقود به نحو السعي الجاد من اجل الاكتفاء بكل ما هو جديد في نفسه. انها هي .. هي بنفسها ، بلحمها وعظمها الذي ما زال يعبر عن نفسه من خلال معالم جسمها التي ما برحت تغذيها بدلال تتبعه بفرح يكسوها بتصنّع مليح .

وما فتئت ملامحها تخون كل ذي فراسة في ان يحدد عمرها او يقع لها على سن معينة لان بوسعها ان تعلن لكل من حولها عن احتوائها لاعمار مختلفة . فهي صغيرة ان اردتها ان تكون كذلك ، وهي اكبر إن توسمت فيها الاشياء ، وهي مراهقة إن توددت اليها ! لكنها لا تُحدِث في داخلها كهولة تورثها عقم النظرات ، غير انها مطيعة إن ابتغت خطيئة ، ومتكبرة إن استسقى احدهم لها دون رضاها ، لا بل هي غنية المطمع طالما لم يجالسها رسول او نبي او مَلَك مقرب !

لا زالت تتخذ لها متكئا حيث تقيم هي وبعلها لكنها تنظر في عينيّ .. انها تصر كل الاصرار لكي تكلمني.. وان تبحث الامر معي منذ البداية .. لا زالت تعتقد ان البرودة تصلب الشرايين لكنها موقنة بأن الحب يصلبها اكثر من اي شيء آخر لانها صارت ترتجف من فينة لاخرى ، وتمسح عن بشرتها كثيرا من العرق المتصبب ..







( 2 )



لقد تذكرتُ .. نسيت ان اخبركم انها ارسلت اليّ رسالة بيد احد الذين تأتمنهم على رسائلها واظنه هو الاخر يعشقها لكنه لا يفرط باسباب تواصله معها لانه يعلم انها تفعل ما تريد ولو توسلت بكل الطرق .. فان لم يكن هو فغيره وهكذا .. فمن الاحسن ان يهتم بامرها دون احد اخر كي يكون داخل المدار والفلك فلا تغيب عنه لحظة سكون تمر بها ولا غيرها .. وما كان هو الا بعلها .

انه يسكن في قلبها هكذا لاح لي الامر من خلال ما يتصوره هو ، وليس من خلال ما تتصوره هي ، ذلك انه اسكن روحه في قلبها ، وانزل نفسه منزلا لم تنزله اياه قط ..

لكن ربما اضطرت الى ذلك ريثما يحلو لها المقام وتقيم معي الذ الايام وعندئذ ستمطره بعالي (قبقابها) الذي ربما ما سلم منه رجُلَها قط ..

اما (قبقابها) هذا .. فلا اعني به نعلا خشبيا سميكا من هذا الذي يُعتمَد في الحمامات خاصة ، لكني اقصد لسانها الذي استغلته كمطرقة القبقاب لانه متى ما حلت كارثة برأس احدهم ، فان عليه ان يشعر ، كما لو ان قبقابا واقعيا هوى فوق مخه ليس الا..! وليس كلامها الذي كان اندلع من حنجرتها وهي تتصببت عرقا كرضابها الذي كنت وما حييت اشتاق الى استيلاده ، كما لو كنت افتش فيه عن عنقاء تخرج اليّ من اعماق ثغرها ، تطير بي نحو الاصقاع القصية والافلاك .



( 3  )



ذات مساء دخل علي زوجها وهو يطلب مني ان الحق ببيته لسبب يقتضي حضوري هناك.. كنت اعلم انها تطلبني وليس احد سواها بوسعه ان يُنهِض زوجها ليتوجه الي ويسائلني بكل هذا الطلب الذي ربما ما زادني منه امتعاضا لأني كنت اعتقد بحرية المعتقد وهو كان يعشق زوجته الى الحد الذي كان مستعدا معه لان يحقق لها كل مطلب لا سيما مشتهاها ـ ولو كان مثل ذلك يمثل جنونا لدى الآخرين ـ حتى ولو كان مشتهاها ممارسة الحب مع آخر فانه طالما وجد ان في ذلك تكمن سعادتها وتتحقق فهو لا بد وان يهبّ لتحقيقه لها وبالتالي انجازا لرغبتها فيه ..







( 4 )



ذهبتُ اليها ودخلت عليها . طلبت من رجلها المكوث خارجا .. وأذنت لي وحدي بالبقاء معها داخل الحجرة ..

قالت لي :

ـ  اشعر بوعكة صحية غير طبيعية .. لهذا طلبت منك الحضور .

ـ  لكني لست بالطبيب ..

ـ  اجل ولكني اعتقد اعتقادا مغايرا .. فلربما ظن بعض الآدميين من امثالك انه ليس بمستطاعهم دفع الضر عن الآخرين مع انهم في الحقيقة هو بوسعهم فعل كل المستحيل !

ـ  ماذا تطلبين مني فعله ، يمكن ان يقوم به بعلك الذي يقف خارجا .

ـ  انه وفي ومخلص .. فان اخنه جنسيا وعاطفيا فهو يقف حيالي دون اي استنكار من هذا القبيل .. لأنه يقبل مني ذلك، فهو يهواني جدا ! ويحتمل كل ما اقوم به لكني لا احتمل ان يقوم هو بما اقوم انا به !

ثم استدركت :

ـ  فضلا عن اني لا اتمنع عن ممارسة الحب مع غيره ، وهو يعلم ذلك ، وهي هوايتي ورغبتي ، وهو يرى حصولي على الجنس متعة ذاتية لطالما دفعت بها عن نفسي شرور الاوهام والالام ، لذا فهو يرى فيها سعادتي .. وانه ما خلق الا لتحقيق اوطارها والسعي لبلوغها . فما يسعدني يسعده . واخيرا ، فانه ليس له اي حل اخر ، لانه يعلم إن رفض فاني سأرفض وجوده الى جانبي .

فلما سكتت متنهدة بادرتُ أنا الى السؤال :

ـ  وما المطلوب مني .

ـ  ان تساعدني في حل وثاقي .

ـ  اي وثاق هذا ؟

ـ  عليك ان تفك ازرار ثوبي .

لم اُدهَش ، لأني اتوقع منها اكثر من هذا كله .. لأني لم احدثكم بكل ما صنعته معي او ما كان بدر منها في حيالي.. لقد جاءتني اكثر من مرة واجبرتني على ممارسة الحب معها لانها كانت ميالة لي .. انها هكذا تعبر في الغالب عن ايديولوجياتها .. لقد كنت القي اللوم عليها واصب جام غضبي فوق رأسها دون ان ترعوي.. لأنها كانت تراني بلسمها الذي يداوي جراحها فهي تمنحني حقا معينا حينما ابتلي بضرورة توجيه اللوم لها ووعظها .. كما انه لم يكن بوسعي ان انتقل من سكناي هذا الى محل اخر هربا منها ..

ولقد كنت اوصيها دائما بعدم معاودة مثل ذلك . الا انها كانت تشتهيني وعلى الدوام .. هكذا تقول !

ـ  انت الآخر زوجي الثاني .. اليس كذلك ؟

ـ  التزمي الصمت رجاء .. ريثما اساعدك..

ـ  في فك وثاقي .. انه يعتصرني ويشد لحمي .. اريد لهذا الاخير ان يتحرر .. ستراه الان كيف سينطلق من عصارته.. حتى العرق الذي سال من جسدي اعتقد انه الان وحالما ستحل ازرار مئزري هذا ، سيتطاير متناثرا في وجهك الجميل يا غلامي العتيد !

ـ  لماذا تجشّمين نفسك كل هذا العناء ، فترتدين اثوابا ضيقة جدا ؟

ـ  لأنكم انتم معاشر الرجال تريدون هذا؟

ـ  انا لا اريد هذا منك ؟

ـ  كذبت ورب الكعبة !

ـ  اتعرفينه ؟

ـ  مَن ؟

ـ  هذا الذي نعتِّيه ووصفتيه الان بانه رب الكعبة ؟

ـ  اكثر مما تعرفه انت ومن معك .. فان الله يعرف مرادي ومرماي .. فيحاول ان يتعامل معي بأريحية ولطافة فوق المطلوب .. (عندها هتفت في وجهي) ما الذي تنتظر انك لا تعالج ازرار اثواب بنات الحي كلهن ولكن.. (وبصوت هادئ تفوح منه رائحة الغنج والدلال) تفحص  ازرار ثوبي بأصابع مترددة ..

ـ   يصعب علي فكّها .

وبقوة :

ـ   مزّقها !

وبسرعة كالبرق اقحمت اصابعي في لحمة القماش وبشكل وآخر شرعت بتمزيق اوصاله ..

راعني في وقتها ان اجد الجسد الذي راح يختفي خلف ثوبها في هذه المرة ، كان غير جسدها الذي اعتدت ان اتحسسه او المسه او اراه من قبل .. لقد بدا لي كما لو كان ليس بجسدها ، ولكن جسد اخرى كنت احبها منذ زمن .. مع اني كنت اتجنبها ، لكني كنت اشعر بميل اليها ، غير اني هذه المرة حقا احببتها بصورة غير طبيعية ، سقط حبها في قلبي في تلك اللحظة وبشكل لا ارادي ، احسست ان الحب يطرق بابي ! كان جسدها ابيضا مشدودا .

لكني شعرت في وقتها ان السماء انطبقت على الارض .. لقد شعرت اني اشتهيها منذ اللحظة واني ربما ومنذ الان سأكون محاسَبا إن أفرطت في مشاعري العملية تجاهها ! لأني بدأت اشتهيها حقا ، ولأني صرت اقصدها فيما بعد ، مع سبق الاصرار والترصد ، ذلك انها تمكنت مني في هذه اللحظات وربما ستتمكن مني بشكل سافر وعن قناعة ، وعلى أشد ما تكون عليه القناعات .. مع انها ليست خالصة مخلّصة لي ،  وهي تحت غيري ، وان هذا الآخر كان قد بنى بها مرارا وتكرارا ..  هل بإمكان النية ان تصنع ما تصنع ، وتقلب الموازين ، وتغير المعادلات ؟!

ولكني لما ساءلتها عن خليلها في هذه المرة بعد ان صارحتُها أنا بمشاعري تجاهها ، وذلك عندما استجوبتني عن حقيقة التغير الذي طرأ على احاسيسي تلك ..  لِما كانت قد  رأت مني ـ ولأول مرة ـ  ما لم تكن قد رأته يصدر مني ومن قبل ، حتى استغربَت انقلاب الحال وتغير المقام ، فقالت بدهشة وتهاليل الفرح تتعالى فوق محياها .. وهي تحكي عن زوجها :

ـ  ربما تخليت عنه في حين على امل ان أعيده في حين آخر ...

مستدركة :

ـ  ان على المرء ان ينتقي ويختار ما يصلح حاله في امر وعليه في نفس الوقت ان ينتقي غيره كي يصلح له حالا اخرى .. اليس بديعا ان احتفظ بزوجين في آن واحد !

ابتسمتُ قليلا ، ثم طلعتُ عليها بِبَصري ، واذا بها تلتقط انفاسها من جديد لتكمل عبارتها ، وهي تقول :

ـ  وحتى لو ان احدهما ما كان يشكل لديه مثل هذا الزواج اي اهتمام ولا حتى اي اعتراف بمضمونه ..

بينا اخذت تحدث عن نفسها وانا في دهشة حيرى امام هذا الجسد الذي اقصاني في هذه المرة كل الاقصاء عن وعيي ، وكأني أجدني لأول مرة امامه.. وكأن الأقدار لم تجمع بيني وبينه من قبل ابدا !

فقالت :

ـ  اني حينما اختار يكفيني ان اجد رضا خاصا في عينَيّ هذا الذي اخترته .. حتى اصادر على صحة ما اعتقده ضميري من صدق اعترافي بمثل هذا النكاح الذي بُنِي على تراضٍ ضمني حتى لو لم يشتمل على عرض وقبول وتقرير وتسجيل او .. شهود ..

تابعَت حديثها باسهاب ولذة :

هذا يشبه حالة الرضا التي استحصلها بالقوة او بعدمها من زوجي الاول في اقتناء .. اقصد في اختيار بعل آخر اضمه الى فهرست قائمة الالبوم التي عندي !  اني اختار دائما ما يروقني .. وكفاني من جملة ما اخترت ان اختياري كان ذات مرة قد وقع عليك .. عندها (وفجأة شعرت بها تغير في لهجتها ولكنتها وصورة حديثها وتمعن في فراغ ابعد مما ارى وترى هي نفسها .. ) كنتُ شعرتُ اني لم اخطئ السبيل هذه المرة واني وقعت على بغيتي .. التي كنت افتش عنها في كل هذه السنين.. انها لحظات طويلة تلك التي كنت اقضيها اقلّب في الرجال واتحسس من بعيد وقريب كل شئ فيهم حتى اعضاءهم التناسلية وحجمها وابعادها واطوالها..

نفخَت في الهواء ، ثم قالت وهي تنظر الي ولسانها يكاد ينبجس من بين شفتيها :

ـ  صدّقني لم يقنعني احدٌ من الرجال سواك!

ثم :

ـ  وكفاني هذا .. عن كل عمري الذي اَسهَب في حيرتي وزاد من رهبتي !

وفي لحظات كنت لا ادري كيف اختلطت علي الاوراق وانا اهتصرها بين ذراعي من دون اعطائها ايما فرصة لالتقاط انفاس جديدة حتى كانت تعض عليّ دون وعيها لأجدني انا الآخر ـ  كما لو كنت اخاف الإفلاس من التمتع بها وبجسدها ـ  اطبق عليها ولا أدرك بعدها الليل من النهار حتى شارفت على الوصول الى باب بيتي وانا ما زلت اهجس نفسي تئن تحت طائلة الافتتان بها !



( 5 )



استيقظتُ في صباح اليوم التالي وانا اشعر بخدر غير طبيعي في جسمي .. كان قد انتابني احساس بالعظمة .. غير انه سرعان ما تراجع عني وانا اشعر بالغبن والاحباط .

ولكن ! كيف توالى علي مثل هذا الشعور والتغير السريع الملحوظ ، لم استطع التوصل الى حل لهذا اللغز . ولكني قصدت الحمام وانا ألاحي النفس في ضرورة التعالي على كل اسباب الاحباط غير المقروءة . .

كنت قد اغتسلت ليلة امس ، ام لا ! فعلتُ ام لم افعل ؟ ولكن ربما كان بامكاني الاغتسال عن المواقعة الان . ولربما استولت علي حساسية خاصة ، حرّكت في دواخلي معان لاسباب بالهزيمة كما لو كانت عبارة عن ضمير عالق في شباك التأنيب واللوم حتى كانت ضفائر من الهزيمة تتدلى امام ناظري ترعش بين انفاسي التي رحت احس بها تخفق دون وعي بسببٍ من آثارٍ كان تركها في وقتها مثل هذا الاحساس في نفسي وبدون اي منازع .



( 6 )



بعد يوم عصيب ، كنت قد قضيته بمشقة والم ، فما كان قد تصرم الا بشق الانفس ، بعد ان كان قد قلب لي ظهر المجنّ حتى صرت اشعر بالغثيان وعدم الاحساس بصدق ما يحدث من حولي او هول ما يحصل امامي في الساحة .

أجل فبعد يوم عصيب كنت قد استشفعت بالانبياء والاةمة والاولياء في الدعاء والابتهال الى الله ، كي ينقضي بسرعة وانفلات ، لأني ما عدت اصدق كيف تتسارع الاحداث من دون ان تعطي اي فرصة حتى ولو كانت في اقل حدودها المتعارف عليها .. لقد سامني الزمان ولوّح لي القدر بكل الوان السموم والطواعين الفتاكة ..

نعم ! كنت رجعت في المساء . . لا ادري كيف انقضى نهار ذلك اليوم دون الاصطدام بحتفي او من دون اللقاء به ولو على حاشية الاحداث والحتوف ..

لا اطيل ! فلقد غادرتني جارتي المغناج واتبعها صاحبها المخلص الوفي دون انقطاع عنها. لقد طلع الصباح علي بخبر ادهشني اكثر مما ادهش سائر من كان يحيا في ذلك الحي المثير بكل وجوداته .. لأني كنت قد بدأت بالتطلع الى هذه الساحرة بعين أخرى والى صاحبها كذلك هو الاخر باعتباره الرجل الذي لم اكن ابالي به من قبل لعدم اهتمامي او ولوعي الشخصي والحقيقي والخالص بغرامه الأوحد وهي جارتي المتطفلة على كل احاسيسي الجنسية !

فقط ، ليلة امس وصباح اليوم ، ومن قبل ان ينسل الخبر الى مسامعي كنت اعتبر الرجل غريمي الأول والاخير دون منازع او منافس ! ولكن بعد ان طلع عليّ الناس بالخبر الاليم صرت لا ادري ما افعل ، ربما سرقها وهرب بها هذا الموت الزؤام او راهن عليها صاحبها واراد التفرد بها في العالم الآخر، بعد ان يئس من اقناعها بالاستسلام له وحده دون الاخرين من حوله !

ولكن الخبر يقول ان كلاهما تعرضا الى الموت بسبب من تسرب الغاز من مدفأة غازية كانت تشتعل في غرفة النوم حتى تعرضا الى حالة من التسمم والإختناق أودت بحياة كل منهما !

وعليّ في الغد ان أسير في موكب تشييع جنازتيهما باعتبارهما من جملة المعارف الاقحاح بي واللّذَين كانت تربطني بهما روابط متعددة يشهد لها الكثير من اهل الحي وبأسرهم ! واذن فلا بد ان اكون في ضمن المشيعين والذين يحضرون مراسيم الدفن بل ربما لا بد لي ان اقف اتطلع الى جسديهما كيف يُصَبُّ الماء فوق أديمهما !



( 7 )



كانت مضت على الحادثة حدود سبعة ايام تخلل اليوم الاخير اقامة مراسيم عزاء اختصت باليوم السابع للميتان ..

عدتُ ليلا وفي ساعة متأخرة منه . كنت متعبا مرهقا. لقد كان يوما شاقا صعبا للغاية ! اصابني الانهاك حتى اندفعتُ خاملا نحو سريري لا افكر الا بالنوم ، ولا اسعى الا الى ان القي بجسدي المتهالك فوق الفراش ، لكني فجأة اصطدمتُ وفي تلك الساعة المتأخرة من ذلك الليل بجرس الباب يرن في اذنَي ! تُرى من يكون  الطارق ؟

ولكن صوت الجرس ما زال يدق في صدري مثلما هي نبضاته تتلاحق كصواريخ تخاف الفوت فلا تبلغ اهدافها.

وحالما فتحتُ الباب وقفتُ مبهوتا مذعورا ، لا أقوى على وصف المنظر ولا على وصف حالي انا شخصيا ! لم استطع لحظتها ان أحرك اي ساكن ، لربما ما استطعت حتى ان ابلع انفاسي التي شعرت اني اشهق بها تباعا .

ان المفاجأة ما زالت فاعلة تتحرك في دواخلي . . تشتجر مكامنها في نفسي حتى الحين، كأنها تنبض في قلبي ، بشكل تبعث معه وفي كل خفقة من خفقات قلبي صدى لأصوات رهيبة تنبعث من دهاليز يؤمها الموت ويأتم به وباء قاتل !

ترددت في حلقي آهات جازت بلعومي كيما تبلغ اعلى جوفه ، كانت معالم روح تحاول الفرار من أسر كل العوالم والكائنات حولها حتى من وجودها نفسه وبالكامل . . بينما كان للخيال ان يحط في رأسي ليهتف في كل اعماقي أن لا حقيقة في هذا الكون الا الله وحده ! وكل ما عداه زائل لا محالة . . وفرض المحال ليس بمحال ، وذلك حين تتخطى الساعة عجلة المستقبل ، وتقفز لتشير الى ماضي الاوهام في عصر تسوده جملة من التخيلات العجيبة والتي ربما كان الوهم لا يسودها ابدا . . لان بعلها ما يزال يقف امامي يحاول الكلام لكنه لما وجد مني اعراضا مشوبا ـ وبشكل فاضح ـ بشرود مذهل متلبس بذعر مهول . . حاول قدر المستطاع ان يعيدني الى رشدي . .  

ـ  يا هذا ها أنذا اتكلم معك ، لماذا تنظر الي هكذا، لماذا تحدّق فيّ هكذا ، انك تعرفها وأمرها ليس بالجديد عليك .  

ولما لم ينفع الاطراد في ارجاعي الى وضعي الطبيعي ، استرسل في كلامه وكأنه لا يرى عليه الا ارسال ما طلبت منه السيدة ان يبلغه للمستر يعني لي انا حبيبها المعبود وعشيقها الموعود .

واذن فهي تطلبني ، فقد بلغت بها سورة الشهوة مبلغها وهي الآن تلح عليّ في التوجه الى بيتها وعدم تفويت الفرصة لغرض منادمتها وقضاء احلى السهرات معها في ليلة كان عمرها الف سنة . .



( 8 )



ولكن ! تذكرت والرعب يملأني فرقاً من وجه هذا الذي يقف امامي . .  أهو حقيقة ام خيال ولكنها هي الاخرى كانت قد ماتت ولما تُدفَن بعد ، ايمكن انها استفاقت من غيبوبة معجزة كان توقف قلبها وفي خلالها عن اي حركة. . كذلك قلب هذا الرجل ! أيمكن ان تشمل المعجزة شخصين معاً وفي وقت واحد ، وما ذلك على الله بعزيز ! ولكن اي معجزة هذه التي اتحدث عنها الآن . . لا استطيع ان اقبل هذه التهويمات غير القابلة للتصديق لعدم اتفاق القرائن عليها وضعف الدليل على اثباتها .

ولكني بوغتُّ معه في تلك اللحظة ، بصوت يخترق وجودنا في الحال ، اذ ظهرت علينا فجأة وهي تمشي الهوينا ، تنتظر دعوة وما تلبث قدميها ان تسترسل في المشي ، كأنما لسان حالها الطارق هو الذي اوحى لها ان تتواصل مع نغمات مختلفة، لأنها هنا ما كانت هي الا الآمرة الناهية ، وعلى الجميع ان يسمع ويطيع لها ، لانها الآن بحاجة لشخص تشتهيه وتشتهي ممارسة الحب معه ، كما ترغب في قضاء الليلة معه حتى مطلع الفجر . . ولربما صلّت عندئذ صلاة الفجر بمعيته!

دفعت بعلها وصاحبها المنهك برسالة لم يستطع ابلاغها الى صاحبه بشكل تام لضعف النبض في الاخير مما دفع بهذا ـ يعني انا لا غير ـ الى ان أظل مبهوتا غير قادر على استلام اي بلاغ ، أو تصريح ! وذلك حينما ظللتُ أستقبل ما يتم ارساله اليّ ، لكني وعلى الظاهر ما كان متعينا عليّ أن أفهم  وبالضرورة كل ما يقال لي أو يُلقى على مسامعي ! . .

فقط كان ذهني الان يتحرك وفي باتجاه واحد ، وهو انه كيف يمكن للاموات ان يعودوا الى الحياة ؟ وكيف يمكن ان يرجع القدر عن بغيته وهو الذي ما عرفنا عنه الا كل صعوبة في المراس ؟ فهل انقلبت المعادلات وتغيرت بعض الموازين ؟ وهل عادت رغبات الاموات وغرائزهم ، فعاد النبض يحيا بين جوانحهم ؟

وهل أن ما أراه الآن وأبصره رأي العين وعلى مبعدة امتار مني أو أقل منها ، بل لأكون معه على خط من التماس مع أفقه الذي يندى بكل الحقيقة اللازمة لتفسير نفسها بنفسها ، ومن خلال وعيي لها بلمس اليد ووضع الاعضاء واصطدام الحواس بعضها بالبعض الآخر ! ما هو الا حقيقة لا يلتبسها الشك وهي بالتالي ليست مجرد خيال ووهم ، أم انه بالاحرى كذلك ليس الا !

أم ان حقيقة أخرى مكثت خلف الجدران ، وان الجسدين اللذين رأتهما عيناي بالكمال والتمام مسجّيان امامي على السرير ما كانا الا جسدين لا يعبران عن اي حقيقة تلازم صور الجسد الميت ، انما كانت تمثيلية . . ولكن كل هؤلاء البشر الذين كانوا الى جانبي يشهدون ما شهدت وكل اولئك الذين كانوا ساروا معي في تشييع جنازتيهما ، ما كان امرهم ؟!  

أفهل كنت وما زلت أتوهم اشكالا من الصور وأتخيل وقوع مثل هذه الاحداث ؟

فان كان الامر كذلك ، فعلى الدنيا السلام لان عليّ حينئذ ان أعيد النظر في كل الصور التي كنت رأيتها او الاشخاص الذين كنت قد تحدثت اليهم . . بل علي ان اجدد الرؤى واُلبِس الامور ملامح اُخَر . .  ولربما تراءى لي الكون جميعا كله لا يخرج عن حدود الوهم ، وتسلط عيون الخيالية عليه والطلسمية بعدئذ ليس الا ! وانه ما هو الا جملة من الخدع والاكاذيب .

ولربما كانت السيدة نفسها وهم في وهم ، ولربما كان جسدها وشهوتها كذلك ، ومن المممكن ان يكون الرجل الذي يقف في الباب هو الآخر ليس الا محض وهمٍ وخيال باهت !

ولكنها دفعته فجأة ، فتنحى جانبا والقت بتحية مختصرة  على مسامعي ، وانا ما زلتُ أقف حائرا مبهوتا كالذي اصيب بهلع حتى استقر المشهد على صورته التي كانت سُجِّلَت له في اللحظة الاولى من زمن وقع الخوف في نفسه !

غير انها سرعان ما بادرت الى خلع ثيابها ـ وبسرعة ـ امامنا كلينا ، أنا وبعلها المتسمّر امام الباب ،كما لو كانت تريد اغتنام الوقت وبالكامل . ومن بعد ان استعسر عليها حلّ صديرتها جعلت تنادي على بعلها ، كي يساندها ومن وراء ظهرها بفك عقدتها بينما عاد الى مكانه يقف ينتظر صدور الاوامر اليه من جديد ، كما لو كان أدّى المهام التي كانت اُوكِلَت اليه باتقان وعلى أحسن ما يرام . استدارت بعدها الى صاحب المنزل يعني اليّ أنا وجسدها كان يفوح بكل روائح الشهوة المزيجة بثورة تمرد قاسية ، كانت تنتظر ساعة الصفر كي تصرخ كل العتلات فيه وتئز أزيزها المهول وبكل اثارة وجمال !

بينما نظرَت هي الى بعلها نظرة غامزة ، تحرك على إثرها وترك محله ، وغادر المكان مودّعا وبكل أدب ولياقة ، وهو يغلق الباب وراءه ، وكأنه لم يكن شيئاً مذكورا .

ثم قالت لي :

ـ  هيتَ لك . .

فعدت تلقائيا ولا اراديا انظر الى الباب ، فتأكد لي انها كانت قد غلّقتِ الابوابَ كلّها ! الا بابي لانه كان الوحيد الذي كانت تركته مشرعا ، لاني كنت بعلها الذي هو غير زوجها الذي كان قد غادر منذ قليل ولكن ليس للاخ ان يحتل مكان الشقيق الا اذا ترك المكان احدهما فيكون حينها على الاخر ان يوظف كل امكانياته لخدمة المستحيل من الصناعات غير تلك التي تبوء بإثم من البارئ .



( 9 )



تذكرّ (هو) ان عليه تلبية طلب شخص مهم كان قد نال لديه كل الحظوة وفاز بكل المكانة عنده !

قصدها وتوجه بنفسه اليها . . بعد ان تمتمت شفتاه بكلمات كانت تفهم معانيها . ابتسمت له على الاثر ، وتنشقت لوعة الحب ، لكن الصور تراكمت في رأسه وترامت كل الملامح واندمجت كل السنين حتى انطمرت تواريخ وايام وبزغت معها اسفار وانوار جديدة وذلك حينما سمح لنفسه ان يقبّلها ويعتنق ملاحتها في ظرافة ودية ما كانت قد صادقت ـ بادئ ذي بدء ومنذ قديم الايام ـ على غرامه الا حينما وجدت فيه اغنية لا يمكن لكلماتها ان تخرج عن حدود لغتها التي تتكلم بها وتنطق!

وبينما شعرت انه كان قد استباح كل صورها التأريخية ، فانها كانت تعتقد وبالضرورة انها هي التي استبقته وتركته يعتنق دينها حينما تركته يرسم ملامحه في صدرها بعد ان كان هبّ مسرعا لا يلوي على شيء سوى ان يهتم بدفن رأسه بين نهديها المتكوّرين وهو الذي بدا لا يروم سوى العثور على صفحة وجهها بين صفحتيهما الناعمتين اذ بديا له كما لو كانا ثديي فتاة كاعب لم تر  خصلاتها المقمرة النورَ بعد !



تمت بعون الله تعالى



مع تحيات جمال السائح

Almawed2003@yahoo.com




View jamalalsaieh's Full Portfolio
tags: