دراسة الدكتورة نوافل الحمداني عن رواية الصندوق الأسود

(الصندوق الأسود.. ومضة إغراء
د. نوافل يونس الحمداني
كلية التربية- جامعة ديالى
"الصندوق الأسود" رواية الروائية العراقية كليزار أنور، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر– بيروت ، 2010 .
يشكل العنوان لدى المتلقي ومضة اغواء تغريه لولوج النص الذي أمسك- من خلاله – بمفتاحه الدلالي أو ببؤرته الكامنة والمنسربة إلى فيوضاته الداخلية, وبوصفه" بنية صغرى لا تعمل باستقلال عن البنية الكبرى التي تحتها، فهو بنية افتقار تغتني بما يتصل بها من قصة، رواية، ويؤلف معها وحدة سردية على المستوى الدلالي" , ويمثل العنوان احدى شفرات النص التي تشد المتلقي لفكها بإعادة العنوان إلى " إطاره المرجعي والشروع بانتاج دلالته، وكونه لا يشكل عبارة لغوية منقطعة أو إشارة مكتفية بذاتها، بل هو دائما مفتاح تأويلي أساس لفك مغاليق القصة، ولا يخفى أن للعنوان أحيانا تناصاته التداولية، التي توثق العلاقة بين النص ومتلقيه، عبر مجموعة وظائف تخص أنطولوجية النص ومحتواه وتداوله في إطار سوسيو– ثقافي خاص بالمكتوب، من هذه الزاوية يواجه عنوان الرواية "الصندوق الأسود" المتلقي في أول مسارات التلقي ليفرض عليه نمطا من التفكير والتأويل: فالصندوق نحويا خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هذا) الصندوق، أما الأسود فهو صفة للصندوق، والحق أن السياق النحوي يحيل على سياق دلالي مؤداه: أن الرواية تتحدث عن صندوق أسود، أهو الصندوق الذي يوضع في الطائرات ليسهم في تسجيل المكالمات الأخيرة التي تجري بين طاقم الطائرة والمطارات في لحظات السقوط الأخيرة، أم هو صندوق أسود وكفى؟ .
تقرأ الرواية فلا تجد شيئا عن الصندوق الأسود إلى أن تصل إلى ص32 تقول الروائية : ((عندما ذهبت للنت في المرة الثانية وجدت رسالة غريبة في بريدي من إيميل غريب "black box @ yahoo.com " .
إن الصندوق الأسود هو إيميل بعث صاحبه بملف غريب عنوانه (ما قبل) الذي يشكل الجزء الأول أو القسم الخامس من الرواية من صــ35 إلى صــ64، وهو قسم تحدثت فيه على لسان الروائية عن علاقتها بـ (ماهر محمود)، لكن في صـ153 تتحدث الرواية عن بطلتها (تيجان)، التي تشبه الروائية إلى حدّ كبير بل إنها هي، تقول: ((وهكذا وجدت "الصندوق الأسود" يطفو فوق الأمواج ليصل إلي)) صـ 154، وتغير بالأمواج أمواج الأثير التي تحمل رسائل الأنترنت.. تتساءل الروائية في صـ 156 من صاحب الرسالة (الصندوق الأسود)، من أرسلها؟ من كتبها: البطل ماهر أم البطلة تيجان؟ أم هي من وحي الخيال؟ ثم تمضي في تساؤلاتها لترى هل روايتها مجرد صندوق إجابة عن سبب إخفاق الطائرة في علاقة الغرام التي سقطت وتهشمت على صخور الواقع في علاقة الروائية بماهر؟
تقول المسألة أكبر من قضية غرام فاشل، القضية قضية وطن، وعليّ مسؤولية نشر الرواية: الرسالة والروائية تعيش أكثر من محنة: محنة الوطن، ومحنة البحث عن طفل، ومحنة خاتمة الرواية، التي ظلت مفتوحة على أكثر من تأويل...
الصندوق الأسود: هو الصندوق الذي نجلس جميعا بين أركانه ليسجل أحاديثنا قبل أن تسقط بنا الحياة ... .
ملاحقة: ثبت للجميع أن لا صندوق أسود في الطائرة، إنما هو أبيض أو برتقالي، لكن الجميع يصرون على تسميته بالأسود، ربما لأن الأحياء يرجعون إليه لمعرفة سبب موت الناس في الطائرات، فهو أسود لأنه تشم منه رائحة الموت.
لتقرأ ما جاء في ص 155 من الرواية (عنوانها –الرواية – رمزي يوحي لنا بأن ما حصل في العراق إنفجار هائل، فالصندوق الأسود هو الذي يكشف أسباب انفجار الطائرة ، رغم أنه لا وجود لمفردة (الطائرة) في الرواية كلها ...) .
إن رواية (كليزار أنور) هي الصندوق الأسود الذي سيكشف عن سبب الانفجار.
وأخيرا لابد من القول أن شروع الروائية في التعبير عن قضيتها الخاصة أوكلها إلى مهمة أسمى وأدعى إلحاحا – إنها الوطن– فبرزت روايتها بحلة جديدة، زاوجت فيها بين السيرة الذاتية والسرد القصصي. إن هذه التقانة التي يمكن أن نطلق عليها تنافذا جنوسيا، منحت النص معطى تكثيفيا أسهم في منحه الكثير من الخصب والإيحاء، ما كانا ليتاحا لها خارج ذلك مما جعله –نصا – حاثا وباعثا على تعدد القراءات لتعدد المستويات، وبالتالي فهو خطوة جريئة على بساط إنموذج مختلف، يرقى لأن يكون استعارة جنوسية في الخطاب الأدبي, أو بما يسمى بالتعالق النصوصي، أو كما يصفه "جنيت" بالتفاعل النصي العام، إذ يبرز فيما يقدمه نص ما من علاقات مع نصوص أخرى مع ما بينهما من اختلاف على صعيد الجنس والنوع والنمط، مما يغني المتخيل السردي ويضفي عليه تنويعات ثيمية، ويؤسس سياقا وذائقة جديدة .

‏الأربعاء‏، 11‏ أيار‏، 2011
نُشرت في جريدة (الزمان) في العدد (3929) الصادر في 20/ 6/ 2011

View gulizaranwar's Full Portfolio