"4" .. لا إفراط و لا تفريط

 

 

4

 

أمضيت وقتاً طويلاً في التهام الكلمات. 

كانت مائدتي عامرة بكلّ ما لذّ و طاب، ولم أحسب للنهاية حساب. 

وهنا لا أقصد باللذة والطيب ما يبعث البهجة بل ما يلامس الوجدان.. أقول ذلك لضرورة الاستدراك و البيان. 

وبعد أن انتهيت، أحسست بهذا الوجدان كفوران البركان قبل انفجاره، أو هيجان البحر في فيضانه. 

فقد اختلطت في باطني الهرمونات ما عُرف منها وما لم يُعرف و تداخلت الأعراض ببعضها.. فما عدت أميز بين هرمون السعادة وهرمون الغضب وهرمون العاطفة وهرمون الألم....... 

و أحسست بداخلي يغلي ليستفرغ ما كنت أكلته بلذة ونهم.. ورحت أكابر على القولنج الوجداني و أعراضه، التي كم عسير وصفها كما معاناتها. 

اسمحوا لي ان أخلع قناع الادعاء للحظة عني وعنكم ، فهو سمة عامة وكلنا كلنا بارعون به.

نكتب القصائد الجميلة عن الوحدة ثم نراقب في ذهابنا و الإياب عدد المعجبين و الزوار. 

نرفع شعار أن لا إفراط ولا تفريط ثم نفرط حتى نخاع العظم فيما نهواه من مأكل و مشرب وقراءة وكتابة و حب وكره وجنس.. و....  و..... 

ودائماً وسائل تبرير نهمنا جاهزة فخير الدفاع الهجوم. 

قالت ابنتي وهي تحدّثني فيما أنا غارقة في شاشة هاتفي :

ماما ارحمي عينيك من هذا النهم.. 

أنت كمدرّسة علوم خير من يعلم كيف تنطفئ الخلايا الضوئية للعين وكيف تطفئها اشعاعات الشاشة خلية خلية.. 

ستحتاجين عينيك لأشياء أخرى فلا تهدريها بهذا الهوس المجنون مابين قراءة وكتابة. 

رميت الهاتف جانباً وتبريراتي جاهزة :

ماما أنا لوحدي طوال الوقت

ماما الكلمات حياتي ونسغ وجودي

ماما حين تصلين لعمري سترين

ماما لو كنت مثلي كاتبة لفهمت عليّ

 

الكتابة لعنة و رصد

إن انعتقتم منها يوماً..  دون ادّعاء..  سأرفع لكم القبعة التي ليست على رأسي ، بل على رأس مدّع أشطر مني في التبرير و التمثيل. 

 

يتبع.....

View ثناءدرويش's Full Portfolio