محاكم الموصل: المحامون يبحثون عمن يدافع عن حقوقهم والم

Folder: 
تحقيقات







الموصل/ مكتب المدى / نوزت شمدين





تعاني محاكم الموصل صعوبات وتحديات كبيرة تعرقل أداء مهماتها على الوجه الذي يكفل تطبيق القانون. وقد يكون للوضع الأمني دوره في تعطيل أدوات القضاء في محافظة نينوى التي أصبح عدد سكانها اليوم يربو على الثلاثة ملايين نسمة، لكن من المؤكد أن هنالك أسباباً أخرى جعلت من القانون في هذه المدينة يبحث عمن يحميه بدلا من حمايته حقوق الآخرين.

دخلت (المدى) محاكم منطقة استئناف نينوى التي بدت من الخارج وهي محاطة بالأسلاك الشائكة والسدود الكونكريتية مثل القصور الملكية العتيقة، بينما تبدو للشخص الداخل إليها وهو يصطدم بضجيج الناس وخطاهم المتشعبة بين أعمدتها المرمرية المصطفة بخط طويل محطة قطار أنفاق!

وجدنا غرف القضاة مكتظة بالمحامين ومداخلها مزدحمة بالناس وهم ينتظرون استدعاءهم أو إنهاء معاملاتهم، ولكننا لم نتوصل إلى حوار مباشر مع أي من القضاة بحجة انشغالهم بالمرافعات، لكن واحداً من المعاونين القضائيين همس لنا بأن السبب الحقيقي وراء ذلك هو الوضع الأمني!.

هل هذا معقول؟

التقينا المحامي ياسين احمد فتحي وسألناه عن واقع المحاماة فقال:

- لم يتغير شيء، فالمعوقات القديمة حاضرة وبقوة وأضيفت إليها أخرى زادت الطين بلة، فما زال المتهم يستجوب من دون السماح للمحامي برؤيته، وفترات التوقيف ظلت متجاوزة السقوف المحددة قانوناً لبعض التهم إضافة إلى الفساد الذي يظهر على نحو جلي في الدعاوى الجزائية التي يكون للشرطة دور في بعض تفاصيلها إن لم نقل غالبيتها خارج نطاق المحكمة، وهذا في الظروف العادية طبعاً. عموما فالعلاقة هي سر مهنة المحاماة ومن لا يتقنها لن يتقن المحاماة أبداً وللأسف يمارس بعض القضاة دوراً سلبياً في ذلك فمثلاً: أغلب الدعاوى التي تنظرها المحكمة الشرعية يكون القرار فيها محسوما للطرف الذي يكون فيه المترافع محامية! حتى وأن كان الخصم بنظر القانون يملك الحجج والأدلة القاطعة!.

هكذا أنهى المحامي كلامه الكارثي الذي صدمني بقوة، والذي إذا صح فإنه يعني أن نقرأ الفاتحة على دور العدالة في مدينة الموصل.

(غرف المحامين مقسمة حسب الأجيال)..!

في المكان المخصص للمحامين ثمة أربع غرف: واحدة للمحاميات والأخريات قسمت بشكل عرفي بين المحامين، فالقدماء غالباً ما تجدهم في الغرفة الأمامية للممر الذاهب إلى المطعم وهم جالسون باسترخاء ومنهمكون بأحاديث لا تخرج عن الأمور السياسية، والمهنة التي أذلتها الكليات الأهلية والمسائية بطلابها (المتطفلين!)، على حد تعبيرهم، تقابلها غرفة المحاميات، والغرفتان المجاورتان في نهاية الممر يرتادها المحامون الشباب. سألنا المحامي الشاب وقاص أسعد عمن يسيء إلى مهنة المحاماة ودور نقابة المحامين في معالجة مشاكلها فقال:

- في كل مجتمع مهني لابد من أن يظهر الأنموذج السيئ الذي يمارس دوره التخريبي على صعيد السمعة، وهذا يتجسد عندنا بأولئك الذين يقتنصون الناس عند أبواب المحكمة ويعرضون عليهم التوكل في قضاياهم على نحو مخزٍ وكأن الأمر يتعلق بسلعة تباع وتشترى، وتصور أن عددا منهم يأخذ أتعاباً قد لا تتجاوز الـ(500) دينار سواء في عقود الزواج أو في الدخول كشهود في دعاوى لا يعرفون أياً من أطرافها!.

أما عن دور نقابة المحامين ممثلة بمنتدب غرفة محامي الموصل فلا أعتقد أن بمقدوره فعل شيء على المدى القصير لأن الأمر يتعلق بشخصية المحامي نفسه فهل يعقل أن نعلم المحامي كيف يتصرف بما يليق بمحام!!؟.

(غياب الإشراف العدلي)

المحامي أحمد يونس محمد الذي التقيناه في محكمة البداءة أثنى على دور منتدب غرفة محامي الموصل في متابعة بعض الظواهر السلبية التي يتسبب بها بعض الطارئين على المهنة، وأكد على أن القضاة سواءً في محاكم الشرعية أو غيرها يمارسون دورهم كما يجب من دون تمييز بين محام أو آخر، ومع ذلك تفتقد محاكمنا إلى دائرة للإشراف العدلي بصفتها جهة تشكي القضاة، فإذا أردت تقديم شكوى على أحد القضاة فعليك الذهاب بها إلى بغداد في حين كانت هذه الجهة تمارس عملها في محاكمنا قبل أعوام، وقد جرى العمل اليوم على تقديم مثل هذه الشكاوى إلى محكمة الاستئناف التي غالباً ما تمارس دوراً توجيهياً بعيداً عن اتخاذ موقف صارم بحق المسيئ.

(تفاوت أجور الانتداب بين محكمة وأخرى)

بالقرب من محكمة التنفيذ التقينا مجموعة من المحامين الشباب أجمعوا على ضرورة تحرك نقابة المحامين باتجاه تخصيص رواتب لهم تخفف عنهم وطأة الظرف الاقتصادي الصعب الذي يمرون به نتيجةً لتوقف عملهم شبه التام منذ أحداث عام 2003، وأكدوا أن نقابتهم هي الوحيدة التي لم تخصص لمنتميها قطع أراض سكنية أسوة بالنقابات الأخرى، وأن بإمكان النقابة فعل كل ذلك لأنها تملك المقدرة المالية على ذلك سواءً من خلال أجور الاشتراكات السنوية التي تحصل عليها من المحامين - علما أن رسم التسجيل في النقابة وصل الآن إلى مئة ألف دينار - أو من خلال أملاكها المنتشرة في عموم القطر.

أما المحامي (علي حسين) فقد أشار إلى تفاوت أجور الانتداب للمحامين بين محاكم الموصل والمحاكم الأخرى في محافظات كردستان ففي حين تبلغ أجور الانتداب للمحامي عن الترافع أمام محكمة الجنايات في الموصل (50000) ألف دينار فإنها تبلغ في كردستان العراق (750000) ألف دينار!.

المحامي (عبد الله سعيد) أضاف: ان أجور الانتداب في دعاوى المخالفات أصبحت مجانية وان ذلك سينعكس بالتأكيد سلباً على دور المحامي في مثل هذه الدعاوى.

(المبلغون في ورطة)…!

غرفة المبلغين التابعة لدائرة التبليغات القضائية في محاكم استئناف نينوى صغيرة ومزدحمة على الدوام، ومع ذلك فهي تمثل حلقة الوصل بين المحاكم وأطراف الدعاوى. وبالرغم من أهمية العمل الذي يضطلع به شاغلو هذه الغرفة إضافة إلى كثرة عملهم فأن عددهم لا يتجاوز عدد أصابع اليد، وهذا ما قد يتسبب بتأخير إيصال التبليغات إلى أصحابها.

بصعوبة كبيرة تمكنا من دخول هذه الغرفة بسبب الزحام وعدد المناضد الموضوعة فيها التي تفوق عدد من يشغلها، أو ربما هكذا بدت لنا لأن بعضاً منها كان يشغلها المراجعون!. سألنا أحدهم عن دور المبلغين في الدعاوى المنظورة من قبل المحاكم والمشاكل اليومية التي قد تواجههم؟ فأجاب مستعينا بذاكرة زملائه ومشددا على ضرورة عدم ذكر اسمه لأنه لا يملك تصريحا من مرجعه بالتحدث إلى الصحافة!! :

- عملنا إنساني بالدرجة الأولى فنحن نوصل التبليغات إلى أطراف الدعوى التي تتضمن مواعيد المرافعات والمحكمة التي يتوجب الذهاب إليها، إضافة إلى الإنذارات وما شابه. ومؤخراً وبعد اختفاء جهاز الشرطة أضيفت إلى مهماتنا إيصال تبليغات الدعاوى الجزائية. ونحن نعاني صعوبة كبيرة في ممارسة عملنا وذلك بسبب ارتفاع أجور النقل والطرق المسدودة بشكل يومي والمضايقات التي نتعرض لها من قبل بعض المتضررين من الدعاوى التي نوصل إليهم تبليغات بشأنها ونحن نفتقر إلى الحماية الكافية فالبعض ينظر إلينا وكأننا خصوم لهم فنجد أنفسنا في ورطة حقيقية معهم!! وعموما الناس طيبون في مدينتنا والكثير منهم ينظرون إلى عملنا باحترام ويقدرون مسألة أننا نمارس عملنا في مثل هذه الظروف.

View nawzat's Full Portfolio