رسالة الإبداع

Folder: 
مقالات

بسم الله الرحمن الرحيم



عزيزي القارئ تحية رقيقة وبعد ...



اليوم نتحدث معا حول رسالة الإبداع وأظن أن الحديث اليوم له طعم خاص وبريق أرجو أن يكون جذابا بإذن الله ...

بداية ما الإبداع ؟ وهل له مجالات محددة ؟ وهل يقف عند حد معين ؟ وهل يمكن أن يكون الإنسان مبدعا في أكثر من مجال ؟ أسئلة كثيرة تتراءى لي قبل كتابة هذا المقال وأدعو الله أن يوفقني للصواب فيما أذهب إليه ...



بداية عزيزي القارئ الإبداع مرحلة نورانية تأتي في لحظات إشراق النفس وصفاء الذهن ولحظات توفيق من الله لعمل ما أو فكرة ما أو اختراع ما أو كتابة شيء فني ما ...كما ترى عزيزي فالإبداع لا يقتصر على جانب من جوانب الحياة فالإبداع في أي مهنة إبداع فالإبداع في الشعر والقصة والمقالة والخطبة إبداع  والإبداع في الطب والهندسة والفلسفة والتدريس إبداع والإبداع في أداء عمل أي عمل  بصورة مثالية أو مبدعة إنما هو الإبداع ...



فمجالات الإبداع كثيرة ومتعددة بل ومتنوعة في جانب واحد فمثلا نجد الشعر  له أنواع كثيرة منه العمودي ومنه الشعر الملتزم بالتفعيلة ولا يلتزم بالقافية ومنه النثر المشعور أو الشعر المنثور أنواع وأنواع منه شعر الغزل وشعر الفخر والحماسة والوصف والهجاء والمعارضة والنقائض ومنه شعر المديح بل وقد يتعدد الفرع إلى فروع أيضا فشعر الغزل العذري أو العفيف وقد أبدع فيه الكثرون ككثير عزة ومجنون ليلى وغيرهم الكثيرون  ومنه الغزل الحسي وقد تفوق فيه أيضا الكثيرون وعلى رأسهم امرؤ القيس وعمر بن أبي ربيعة  وأخيرا نزار قباني وكثيرون  وقس على ذلك غيره من المجالات ...



عزيزي القارئ هل يقف الإبداع عند حد معين المبدع الحق لا يتوقف فالإبداع لا يتوقف فهو كموج البحر ربما يهدأ ولكن  ليعود عنيفا صاخبا كالبحر الهادر فالشاعر لا يتوقف عن الإبداع حتى ولو لم يكتب ففي داخله تتخمر الأفكار وتخرج في لحظات الإشراق التي تكلمت عنها آنفا فتأتي هادرة عنيفة وتأبى إلا أن تخرج مهما كلف ذلك فهي عملية ولادة بكل ما تحمله الكلمة ميلاد المشاعر والأحاسيس بلغة ليست كباقي اللغات إنها لغة الشعر واقع ممزوج بالخيال رحيق الأشجان وعالم الطيف الجميل ....



والإبداع يختلف سمته من مجال لآخر فهو في الشعر مختلف عن الخطبة مختلف عن الاختراع مختلف عن أي مجال آخر وهنا كانت خصوصية الإبداع في مجال دون الآخر فكل مجال له خصوصيته التي تميزه عن المجالات الأخرى ...

دعنا نتعرف أكثر فمقاييس الإبداع عزيزي القارئ تختلف أيضا من مجال لآخر فالشعر له مقاييس نقدية وفنية لا يمكن أن أطبقها في المقالة أو القصة ومقاييس القصة القصيرة لها مقاييس لا يمكن أن أقيسها على المسرحية أو الخطبة أو أي مجال آخر في الطب أو الهندسة مثلا لذلك كان التقييم والنقد .. والنقد أصبح له  الآن مدارس تقيم الشعر مثلا على أسس وفنيات معروفة لدى كثيرين لذلك إذا تدخل إنسان وأفتى مثلا في مجال لا يعرف مقاييسه فإنه يمسك في يده سيفا ويدمر هذا الإبداع بدون أن يشعر بل ويشوهه بما لا يليق به وبهذا الإبداع ...



وللحديث بقية .........



ابن خاطر



عزيزي القاري :

عود على بدء  مازال حديثنا حول الإبداع وأدعو الله أن يلهمنا الصواب ...

تكلمنا سابقا عن الإبداع ماهيته ومستوياته ومقاييسه واليوم تعالوا بنا نتحدث من خلال هذه الأسئلة : كيف نحافظ على الإبداع ؟ وهل يظل الإبداع مستمرا ؟ وهل يمكن أن يزداد الإبداع تألقا وعلوا وهل للإبداع درجات وارتقاء ؟ ..

وبحول من الله أقول :

الإبداع هبة من الرحمن ونعمة فضل الله بها بعض عباده على بعض " ورفعنا بعضكم فوق بعض درجات " ومنها درجة الإبداع ... وهذه المنحة الإلهية كما قلنا لحظات إشراق وصفاء يصل فيها الإنسان إلى مرحلة الإبداع ..

وتعالوا بنا الآن لنحدد كلامنا أكثر وليكن تحيدنا في مجال الشعر فموهبة الإبداع  في قول الشعر لابد من تنميتها والمحافظة عليها ورعايتها باستمرار ويكون ذلك بقراءة الكتب على اختلاف أنواعها عامة والشعر العربي خاصة وكذلك العكوف والغوص بين أبيات الشعر والوقوف على جماله وتذوقه والإلمام بعلم العروض وبحوره وضرورة أن يقف على أبعاد الإبداع في القصيدة وأن يسأل نفسه ما أجمل ما في النص ؟ وهل كان الشاعر صادقا أم لا وهل جاء النص رائعا على مقاييس النقد الفني ؟ إذن موهبة الشعر في حاجة ماسة كي تستمر وتزداد تألقا أن يقرأ ويقرأ الشاعر ما بين السطور وما فوق ملامح العيون وأوجه النهار وما توحي به موجات البحر والأشجان على مختلف أنواعها .

الشاعر يا صديقي القارئ كالنحلة تحلق بين الزهور والورود كي تأتي لنا بالشهد والعسل والعسل أنواع  !!

أخلص من ذلك أن الموهبة المبدعة لا بد من صقلها بما يزيدها بريقا وتألقا وإبداعا كل في مجال إبداعه وما يناسبه من الرواء والنماء وبذلك يظل الإبداع ويستمر بل ويزداد نضجا وتألقا على مستوى الإبداع ومتى يستمر العطاء تزداد لحظات الإشراق المبدعة الرائعة وفي سلم الإبداع نجد شاعرا مبتدئا وشاعرا متألقا وآخر أكثر تألقا وجمالا ..

ولا يفوتني أن أنوه هنا عن الشاعر المطبوع الذي لا يحتاج إلى المزيد من القراءة والتبحر بين أبيات الشعر ومدارسه ومذاهب نقده وذلك أكثر ما يكون في شعر الزجل والعامية فحياته هي المصدر الرئيسي من خلال إبداعه ولهذا كلماته العامية وزجله يأتي سهلا كأنه مرآة لواقعه اليومي وأعرف كثيرا منهم من لا يجيد القراءة والكتابة ولكنه يقول الزجل والشعر العامي بالسليقة وأوزانه في ذلك جاءته من الموروث الشعبي وحتى لا يتشعب الموضوع أكثر من ذلك تعالوا بنا الآن إلى نقطة هامة حول موضوعنا وهي هل يمكن أن يذبح الإبداع أو يقتل أو يذوب على ضفاف العدم ؟

أستمحيك عذرا عزيزي القارئ نكتفي بهذا القدر ولنا لقاء قريب نكمل حديثنا حول الإبداع ورسالته ..

تقديري واحترامي

ابن خاطر









بسم الله الرحمن الرحيم

عود على بدء:

هل يمكن أن يذبح الإبداع أو يقتل أو يذوب على ضفاف العدم ؟



قبل الإجابة حول هذا السؤال فتشت في أعماقي وفي زوايا النفس وجدت أن الإبداع ـ من وجهة نظري ـ قد يتوقف أو يدخل بياتا شتويا إن جازت التسمية ـ لفترة من الزمن قد تطول وقد تقصر فكم من شاعر غاب أياما أو شهورا أو سنوات ولكنه عاد بقوة من جديد أو عاد ببعض ملامحه التي كانت ربما أفضل وربما أقل ولكنه عاد ....

ودعني عزيزي القارئ أتساءل هنا هل حقا كان الإبداع في إجازة أو غياب أم أن الإبداع ظل يختمر في الأعماق لينطلق من قمقمه عملاقا وهل كان المبدع ناسيا لإبداعه أم أن هناك أسباب أخذته أخذا كطاحونة الحياة ومسؤوليات جديدة أخذته بعيدا عن ارتشاف ماء الحياة من ينابيع هذه الموهبة الإبداعية ليظل إبداعه حيا ناميا

عزيزي القاري إن المبدع قد يغيب ولكنه لا يمكن أن يموت فالمبدع الحقيقي لا يمكن أن يموت ولكن يمكن أن يغيب فترات من الزمن ..وقد تتعدد أسباب غياب هذا الإبداع إما لخوض غمار حياة جديدة تأخذه أخذا وتجعله يدور ويدور في دوامة لا ترحم أو أن المبدع يهمل هذه الموهبة بأن لا يرويها دائما بما يفجرها تفجيرا ويشعلها إشعالا وتظل مواقفه ولحظاته الإبداعية تتراكم وتختمر في أعماقه لحين تأتي لحظة الميلاد لهذا العمل وفترة الاختمار هذه قد تطول وقد تقصر بحسب موضوع الإبداع وأهميته بالنسبة للمبدع أولا وللآخرين ثانيا

عزيزي القارئ قد يتوقف المبدع بسبب اصطدامه بواقع مرير لا يتلقى مشاعره وإبداعه بما يليق وهذا الإبداع كأن يتهكم البعض بإبداعه وقد يترك نفسه لهاوية الشللية البغيضة التي تأتي على كل خير وتعمل على أن تلغيه وتشوهه كي تبقى بعفنها وضعفها في بؤرة النور والشهرة دونه مع علمها بقدر إبداعه ورقيه ...

وقد يتوقف المبدع بسبب تهجم البعض وترصد أي أخطاء أو معان قد تصطدم بواقعنا وذلك بجهل للغة الإبداع وطريقة تناوله كأن يكون هذا البعض جاهلا بأصول هذا الإبداع ولغته وخصوصياته وقد يكون جهلا بطريقة تناول هذا الإبداع فيمسك بالسكين ويذبح ويقطع أوصال مشاعر وفكر مبدع مثلا بجهل شنيع بكل مستويات النقد الذي ورثته الأجيال عبر العصور .

عزيزي القارئ إن للإبداع رسالة عظيمة في الحياة فمن خلال أي إبداع يكون الحلم ويكون تلمس الأحلام والآمال فالإبداع يحمل في طياته الخير كل الخير للمجتمع بل للحياة كلها

وقد يكون الإبداع ـ مع الأسف شيئا بغيضا ومقيتا وذلك عندما يكون في جوانب الشر كاللص والعالم الذي يسعى لكي يدمر ولكي ينهب ويستعبد وإن كان ذلك إبداعا في لغة البعض فأنا لا أسميه إبداعا بل وباء ومرضا يدمر فالإبداع نور جاء من نور ..

معذرة إن بقيت في ثنايا تناولي للموضوع بعض الأمور حول رسالة الإبداع فالكمال لله وحده وما أنا إلا بشر يصيب ويخطئ وفي نهاية هذا المقال أتوجه بالشكر للجميع ..

تحياتي وتقديري



ابن خاطر

View eslam's Full Portfolio