أنور عبد العزيز

هيمنة التجاوز والتجديد

(الحلم بوزيرة)...
وهيمنة التجاوز والتجديد عند محمد الأحمد
مغامرة القاص غير محفوفة بالمخاطر

انور عبد العزيز
كلما قرأت قصّة جديدة للقاص محمد الأحمد - ومنذ سنوات - ازددت يقيناً أن هذا الكاتب يسعي ابداً للتغيير والتجديد والتحديث والتجاوز لما هو مألوف لغة وثيمات وباسلوبيات تختلف بين قصة وقصة، وان كان يجمعها شيء أو محور يحرص عليه القاصّ، فهو هذه التنقلات والأطر الجديدة التي بدت لازمة في اسلوبيات الكاتب، فمن الصعب تجنيس منتجه الابداعي وحصره والاقرار بان ما كتبه هو (قصة قصيرة) أو (قصيرة جداً) أو (نصّ) أو (خاطرة)، ويبدو حرص القاص كبيراً في محو أثر كل تجنيس وبالانفلات من قيود مقررات النقّاد وحتي من الذائقة الأدبية العامة، ويبدو حرصه كبيراً في أن يحرّر نتاجه من التشابه بين قصّة وقصّة وحتي في مجموعاته ككل، ويبدو أنه ليس من الكتّاب الذين يحرصون علي أن يُعرَفوا بأسلوبية خاصّة بهم... اسلوبيات واحدة لا تتكرر... ومع هذا يمكن القول ان الحكم علي نتاجاته نقدياً يمنحه صفة وملامح اسلوبية جوهرها هو هذا الشوق الملحّ للتجريب الذي يصل به في هذه القصّة أو تلك لمراحل متباعدة جداً عن أقلّ المألوف ليس في الواقع الحياتي فقط، بل وحتي في مغامرة الكتابة الادبية... كل هذا الكلام لا يمكن أن يكون تخميناً وتجريداً لحالة الكاتب وهو يغامر برغبات وخطوات - محسوبة عنده وربما ضبابية عند بعض القرّاء - خطوات وتقنية وسرديات اقتنع هو بها أولاً فصارت عنده بما يشبه أن تكون عقيدة راسخة وهو يتلمس بها الحالات الانسانية لبلده في كل شؤون الحياة، مع انه لا يسهو ابداً عن الشأن الشخصي اذ هو يراه - رغم كل الفروق - شأناً ملتحماً بالهمّ العام بل هو افراز ونتيجة حتمية لمعاناة بلده في احزانه المرّة ومع اقسي حالات التيه والوجع وشحوب كل المظاهر الكالحة التي كان يحلم أن يجدها بها مضيئة بهيّة مشرقة في حياة الناس، وله ايضاً، فهو واحد من هؤلاء الناس لا يتميّز عن العديد منهم الا بعقل نيّر وعينين واعيتين وضمير يشرّف انسانيته.. كانسان وقاصّ شاهد علي عصره وما جري لكل ناس وطنه وله من محن ومآسٍ ومواجع أليمة...
لسنين وعقود أخذت تتطاول حتي بدت ألا منظور لانفراجها حتي في زمن قادم لا يبدو انه قريب، فمع هذا الانتظار الخائب المملّ تفاقمت الحالة النفسية للكاتب كانسان يتحسّس أبداً مسؤوليته تجاه ما يحصل مع عجزه عن فعل شيء ايجابي يوقف فجيعة هذا التدهور المستمر لحالة بلده التي صارت مضرب مثل أو أمثالاً سيئة وعلكة حلوة في فم الاعداء ومرّة في أفواه ناس بلده ومحبيه وعاشقيه... هذه الاسلوبية وهذا التجديد الملحاح المتجاوز الذي يقترب من حدّ التطرّف احياناً...
لا أدري مدي اطمئنان كاتبه لوصوله الي اكبر عدد من القرّاء والذين هم - وهذه بديهية - هدف كل كتابة... وتظلّ حكاية ماذا نكتب ؟ ولمن نكتب، متجددة فاعلة مؤثرة، فان كانت قناعة الكاتب ان ما يفعله من وسائل حرث اللغة والبعد النهائي عن السكون والتقليد واتباع كل غريب - مهما صعب - انه سيبلغ القرّاء ويحقق اهداف القاص... فان نتاج ذلك الكاتب سيكون فعلاً عامل اثارة واعية وتغيير... اذا تحقق ذلك فليتواصل الكاتب مع مشروعه - وفي كل محاولة لالوان التحديث - ليتحقق له ما يريد، اما ان كان بمشروعه قد شطب علي مئات ولا أقول آلاف من القرّاء، عندها تظهر اشارات التشكيك في غالبية كبيرة من نتاجات سعيه الحداثوي...
يمكن القول أن محمد الأحمد قد فتح أكثر من كوّة بينه وبين قرائه وبخصوصية توجهه لمن نال الحدّ الاوسط - ولا اقول الادني - لمن هو قارئ اصيل ومتابع ومتفاعل مع الحياة بكل منغّصاتها او اشراقاتها الضئيلة الخافتة المتباعدة عبر الزمن...
القاص مبدأي في توجهه وايمانه بالمتحوّل ورفضه للساكن الثابت الجامد... وهو يمتلك كل الثقة بمستحدثاته موثّقاً موقفه الحياتي والاسلوبي باعتماد بيت شعري للشاعر الحرّ الرصافي في الصفحة الاولي من مجموعته القصصية : (سأقول فيها ما اقول ولم أخف.. من ان يقولوا شاعر متطرف) وهو حتي في تثبيت هذا البيت الشعري العمودي العروضي الخليلي... حتي في هذا البيت الواحد الوحيد الذي استعان به، فقد كتبه بتشكيلة من عنده هو خروج علي المألوف... محمد الأحمد كتب بيت الرصافي بهذا الشكل:
سأقول فيها ما أقول
ولم أخف
من أن يقولوا
شاعر متطرّف
لماذا ؟! والبيت كما هو موزون وبشطرين... وللتوثيق والأمانة... كان يجب أن يكتب كما رسمه الرصافي...
وزيادة في ترسيخ رؤيته فقد اتكأ واستعان بقول لناقد غربي لم يسمّه وفي نفس الصفحة : (نقد الفنّ باعتباره مضموناً أو شكلاً ما هو الا مسألة اختيار للاصطلاح المناسب لكن بشرط ان ندرك ان المضمون يشكل وان الشكل يملأ وان الاحساس احساس مُشَكّـل وان الشكل شيء يُحسئيء)... يحسئيء (هكذا وردت مطبوعة) - أعان الله أكثر من قارئ علي فهم هذا اللغز الذي ان بدا واضحاً للنقاد وللعديد من القرّاء فانه سيبدو غامضاً عسيراً علي مدركات عديد من القرّاء أيضاً !
وهو ايضاً لتأكيد قناعاته ولايصالها للنقّاد والقراء ينهي مجموعته القصصية بمقولات تراثية منها واحدة للعتابي اذ يقول: (البلاغة إظهار ما غمض من الحق، وتصوير الباطل في صورة الحقّ) يعزّزها بمقولة للجاحظ نقلاً عن أعرابي: (من التوقي ترك الافراط في التوقّي!)...
بعد ان يختصر رأي القدامي من أدباء التراث باثنين فقط وقد قدّمهما (النص علي العلوم ومنه يجتاف العصر) يقدّم الكاتب القاص طروحاته وتنظيراته النقدية في ست عشرة فقرة وبعشر صفحات (من ص 115 - 125)...
نجتزئ من هذه الفقرات بعض ما ينير ويضيء للقارئ ويكشف عن مبدأية القاصّ فيما اختاره لنفسه من آراءٍ ومعانٍ واسلوبيات: (كلما تصوّرنا أن نواجه الكلمات الاكثر سلطة من الصمت، الاكثر حيوية من النصّ، الا وغرقنا في تفاصيل موقودة بالمحرّم بالممنوع )، (ما نكتبه الان يصبح بعد حين، بعد جفاف الحبر شيئاً بالياً رغبتنا في التمزيق اكبر من رغبتنا بأن يبقي، وان يقرأ، وما ان يقرأ بعد حين يصبح ثاوياً في مجد الذهن يطارنا ككابوس متسلّط متنفّذ علي آلية ما نكون به، ومازوشياً علي حيوية ما نعرف)، (النصّ في تقلباته ضغوط ومخاوف يخرج للعالم، يكون حراً في أول ولادته، لكنه يتحول الي ثابت مدلول بعناصر اشاراته، وعميقاًَ بمساحة مدولولاته، فلا يكون عارضاً علي مبتكره القارئ الاول)... (ذلك اهاب تابوات المغلق برغم اصالة القالب المحوط لتلك التناقضات التي يغويها القاص علي ما بها من تعارض او توافق )... (النص الحديث يهيمن علي الوجه، يمنحه لوناً أخضر يدلّ علي حرية الحياة وحركيتها)... (النص المفتوح هو الخلاص، لكن كيف ستتأقلم الكلمات بين ما نفكر به، وما يحدث علينا من استلاب حتي بلقمة الخبز الطيّعة)... (فالنص يبقي عصيّاً، ومحاصراً ان لم تكتمل الرؤية، واذا اكتملت الرؤية، يكون علينا ان لا نجعلها ضمن ما تضيق به العبارة) استيحاء ومحاورة لعبارة النفري بمدلولات وتعابير عصرية... (دوغمائية الكتابة عطّلت التحدي , وابطلت التجديد والاتصال تواصلاً بالحضارة... (النص الذي يعطينا هو الذي يستحق كل ما يأخذه منّا)... (الكاتب/النصّ: هو حدّة الحساسية بحدة العاطفة / حساسية الكشف / التعامل مع الورقة بعاطفة (دون جوان) المزيّفة... التي يتبعها مع كل امرأة بعاطفة تلائم عاطفتها... يغويها فتظلّ تبحث عن طريقة اكثر تعقيداً من السابق في اغرائه ، فان نال ادار ظهره عنها)... (النص الحرّ أقرب الي القلب، والآخر لا يبتعد بمكانه عن سلّة القمامة / مقبرة الاوراق!!)
(الحلم بوزيرة).. من اصدار سلسلة (سرد) لدارة الشؤون الثقافية / 2010 في سبع وعشرين ومائة صفحة من القطع المتوسط، ضمّت ثلاث عشرة قصة بين (قصة قصيرة) بمقاطع و (قصص قصيرة جداً) و (نصوص) و (خواطر) قاربت ان تكون حكماًوامثالاً مرسومة ومكتوبة باراء وافكار وانطباعات وقناعات صاحبها (كاتبها) وبما هو منظور خاص متجاوزاً للابعد والاكثر دفئاً وفاعلية وتأثيراً حيوياً عندما يرتبط - ولنقلْ النص - بأقدار الناس واحوالهم متجاوزاً لآفاق حلم كبير او لاحلام تتجاوز قدراته علي ايجاد حلول - ككاتب وأديب ليس غير - ولكن يكفيه منها شرف روح الحنان التي تغمر نفس الكاتب وهواجسه في تعاطيه وتفاعله مع هموم الاخرين رافضاً مشهده كمتفرّج معزول بعد ان ظهر - وفي كل قصص المجموعة - كانسان رأي في مسألة الحياد موقفاً مخجلاً بل ومخزياً، وبعد ان استشرف بنظره البعيد وتأمّلاته - ككاتب - ان من المعيب عليه ان يهجر الساحة ما دام في قلبه وقلمه نبض الاحساس التراجيدي العميق بوجود الآخرين... عناوين قصصه ملفتة للنظر ورغم ان ذكر العناوين لا يغني عن القراءة الناقدة الفاعلة، فان اشارات العنوان كفنارٍ هادٍ و (كثريّا) كما وصفه النقّاد وهو يحمل دلالاته أن احسن الكاتب اختياراته رغم ان العنوان - بحد ذاته - يعتبر اشكالية في عدم ايصاله لما يطمح اليه القاص... كقارئ تحسست أن محمد الأحمد كان متوافقاً معبراً عن مضامينه في قصصه : (فضاء كله دم، الحلم بوزيرة، موسيقي قصص الحب، الدروب التي لا تتصل بطريقي، نهض الأب، الضحك (وهذه قصة في منتهي المفارقة والسخرية الجارحة الأليمة والتمزّق الانساني)، ليلة أخري، كذبة فاقعة للزمن الفاقع، جثّة قد تأجّل موتها، حكاية الاسرة، شاي حارّ، خمس مقامات في السياسة، خسارة متأزّمة بالفقدان)...
واذا كان العنوان بمثل هذه الاهمية البالغة ( وان كان بعض النقاد قد بالغ وغالي في فعّالية العنوان حتي انه جعل النص كله متمثّلاً في العنوان )... حيوية العنوان والاسطر الاولي من النص لم تجعل القاص محمد الأحمد غافلاً عن نهايات كل نصوصه، فالنهايات وعبارات اغلاق النصّ لها الاثر الكبير في الحكم علي النص ايضاً، إذ أن ترقّب القارئ للنهايات وتأثره بها - ولا اقصد نهايات المفاجآت المفتعلة والمتكلفة - ستضاف لمخزون ذاكرة القرّاء، ان كثيراً من القصص الجيّدة والابداعية ظلمها مبدعوها بنهايات خائبة بدت في هزالها وشحوبها وكأنها شيء غريب عن النص الذي كان سيجيء في منتهي الجودة الابداعية لولا اضطراب وارتباك القاص وعجزه ان يجد لنصه نهاية هي من جنس ما تفاعل به مع العنوان والمقدمة وثراء النص عموماً...
(الحلم بوزيرة).. انجاز قصصي متفاعل مع الهم الانساني العام وفي اصعب حالات القهر... ويشكل باسلوبياته المتحررة أبداً اضافة نوعية للمنجز القصصي العراقي الذي يتسارع ابداعياً - كماً ونوعاً - وبجدارة الندّ للنتاج القصصي عربياً وعالمياً...

12/2011/ Issue 4059 - Date 1-

View alahmed's Full Portfolio